هَاجَرَنِي ظُلْماً أبَا حَفْصَلٍ * فَأصْبَحَتْ أعْدَاؤُنَا جَذْلى « 1 »
مَازَحْتُهُ فِي بَعْضِ أيّامِهِ * فَصَارَ فِي النُّفْخَةِ كَالْحُبْلَى
( 80 : 1 )
ومن براعة رسمه ما قاله في أحدب :
قَصُرَتْ أخَادِعُهُ وطَالَ قَذالُه * فَكأنّه مُتَرَبِصٌ أنْ يُصْفَعَا
وَكَأنَّمَا صُفِعَتْ قَفَاهُ مَرَّ ةً * وَأحَسَّ ثَانِيَةً لَهَا فَتجَمَّعا
( 11 : 1 )
فالشاعر يرسم في هذين البيتين كاريكاتورا ساخرا في غاية الدقة ، حيث يصوّر المهجو قصير العنق ، يسترسل شعره على ظهره ، ثمّ يعرض الحالة النفسية التي من الممكن تخيلها حين رؤية المهجو ، فيرسمه منكمشا منقبضا قد التصق رأسه بظهره في حركة تشنجيّة ، لأنّه يتوقع أن يُصفع على قفاه ، وكأنّما قد صُفع مَرّة وآلمه الصفع ، فهو يتجمّع ليتّقي الصفعة الثانية . وقد أعجب بهذه الصورة الكثير من النقاد والباحثين ، ومنهم العقاد الذي أبرز إعجابه بها بقوله : « ومثل هذا الشاعر يهجو حيث شاء بأداته الحاضرة كالرسام الذي يحمل مصورته الشمسية ليلتقط بها المناظر التي تروقه وتسترعيه أينما كان » ( ابن الرومي : حياته من شعره 153 ) .
فكما نرى أنّ ابن الرومي يجعل في الصور التي يرسمها ، الضرب والصفع من أسباب تقصير القامة وسقوط الشعر ، لكثرتهما وشدتهما . فهذه الصور من الصور الكاريكاتورية التي تتميز بالحركة في لوحاته الساخرة . ومنها ما يقول :
نَحْنُ تَرَكْنَاهُ قَصِيراً أصْلَعا * مِنْ بَعْدِ مَا كَانَ طَوِيلًا أفْرَعَا « 2 »
مَازَالَ يَكْسُوهُ إذَا مَا اسْتُصْفَعَا * صَفْعاً . . . حَتَى قرعا
( 279 : 3 - 278 )
أما الصلع فهو من العيوب التي يلح ابن الرومي على رسمها رسما كاريكاتوريا ، فيقول في أحد رسومه :
ذُو صَلْعَةٍ بَرْصَاءَ مَغْسُولَةٍ * مِنْ صِبْغَةِ المُذهبِ والمُشرَبِ
هامش
( 1 ) - اللام في « حفصل » للتهكّم .
( 2 ) - أفرع : من كثر شَعره .