بالخفة في الوزن واللفظ . فكما نرى أنّ دقة الشاعر في التصوير وحسه المرهف وكثرة شعوره بالقبح وشدة انفعاله به ، تساعده على استقراء هذه العيوب ، والمبالغة في رسمها ، وتصويرها في أشكال مختلفة وألوان متنوعة ، نرى أنّ مهارته في عرض هذه العيوب ومتابعتها تجعله من أقدر الشعراء على تمثيل الدمامة في اللوحات الشعرية الكاريكاتورية .
فلعلّنا نستطيع أن نقول إنّ قبح المنظر كان من أهم الأسباب التي أوحت إلى هؤلاء الشعراء ، هذه الصور واللوحات الكاريكاتورية ، فكانوا يلقون الضوء على قبح أو عيب ، ويبالغون فيه حتى يخلقوا أجمل صور كاريكاتورية يعجب الناظر إليها بتفنن خالقها . كتلك الصورة التي رسمها ابن الرومي لجاحظ العينين :
تخَالُهُ أبَداً مِنْ قُبْحِ مَنْظَرِهِ * مُجَاذِباً وَتَراً أو بَالِعاً حَجَرا
كَأنَّهُ ضِفْدِعٌ فِي لُجَّةِ هَرِمٍ * إذَا شَدَا نَغَماً أوْ كَرَّرَ نَظَرا
لَوْ كَانَ للهِ فِي تَخْلِيدِنَا قَدَرٌ * مَعَ قُرْبِهِ مَا أرَدْنَا ذَلِكَ القَدَرا
( 75 : 2 )
فلا يشفق الشاعر على مهجوه حين يرسم له لجحوظ عينيه ، صورة ضفدعة أو بالع حجر ، بل إنه يكره الخلود بقربه ويتمنى البعد عنه ولو بالموت .
وفي موضع آخر من ديوانه يهجو جحظة وهو أبو الحسن أحمد بن جعفر بن موسى برمك وكان ناتئ العينين جدا ، قبيح الوجه ، فيرسم لجحوظه صورة فيل الشطرنج أو السرطان . فيقول :
نُبّئتُ جَحْظَة يَسْتَعِيدُ جُحُوظَهُ * مِنْ فِيلِ شِطْرَنْجٍ وَمِنْ سَرَطَانِ
يَا رَحْمَتا لمُنَادِمِيهِ تَجَشَّمُوا * ألَمَ الْعُيُونِ لِلِذَّةِ الآذَانِ
( 256 : 6 )
ومن خلال دراسة ديوان ابن الرومي نلاحظ أنّه يتناول العيوب المختلفة لمهجويه ويضخّمها ليرسم لهم صورة ساخرة ، كتلك الصورة التي رسمها لأبي حفص الورّاق في قوله هذا :