بأبشع صورة ، كما أنّ براعة الشاعر في التركيز على وضعها المعين ومهارته في رسم أعضائها بأسلوب ساخر مضخم ، قد خلقت لها لوحة كاريكاتورية شعرية تخلّدت على الزمان .
وفي موضع آخر من ديوانه نرى هجاءه لجعفر بن يحيى البرمكي ، فلماّ لم يلق الشاعر جزاء مديحه له سوى النعال المخرقة والسراويل البالية ، أي لم يلق شيئا ، هجاه بطول عنقه ساخرا ورسم له صورة ناظر في السيف بالطول . فقال :
قالُوا امْتَدَحْتَ ، فَمَاذَا اعْتَضْتَ ؟ قُلْتُ لَهُمْ * خَرْقُ النِّعَالِ وَإبْلاءُ السَراوِيلِ
قَالُوا فَسَمِّ لَنَا هَذَا فَقُلْتُ لَهُمْ * وَصْفِي لَهُ يَعْدِلُ التَّصْرِيحَ فِي القِيلِ
ذَاكَ الأمِيرُ الَّذِي طَالَتْ عِلاوَتُهُ * كَأنّهُ نَاظِرٌ فِي السَّيْفِ في الطولِ
( 392 )
أمّا دعبل الخزاعي ، فهو أيضا من الشعراء الذين كانوا ميّالين إلى الهزل والسخرية والرسم الكاريكاتوري المضحك ، وهذا ما نلمسه في أهاجيه ( انظر : الملحقات 2 : الرسم البياني 7 - 8 - 9 ) . فيستوفى جوانب الرسم الكاريكاتوري أحيانا استيفاء ابن الرومي الذي نراه فيما بعدُ ، وينجح في استثارة السخرية والاستخفاف . فإذا تأملنا في ديوان دعبل ، وجدنا أنّ الكثير من اللوحات التي تتسم بميزات الهجاء الكاريكاتوري قد رسمها الشاعر للمرأة ( انظر : الملحقات 2 : الرسم البياني 8 ) ، وقدّ جرّدها فيها من موهبة الجمال ، عبر شحن الصورة بأوصاف قائمة على المبالغة والتشبيهات الماسخة التي تثير السخرية منها . نستعرض بعضها في دراستنا لهجاء الزوجات والجواري ونكتفي هنا بلوحة واحدة ، لكي لا نطيل الكلام هنا ، فيقول فيها :
ذَقَنٌ نَاقِصٌ ، وَأنْفٌ طَوِيلٌ * وَجَبِينٌ كَسَاجَةِ القِسْطَارِ « 1 »
قَامَةُ الفُصْعُلِ الضَئيلِ وَكَفٌّ * خِنْصَرَاهَا كُذِيْنَقَا قَصَّارِ « 2 »
( 111 )
فالشاعر يسخر من زوجته ويمسخ ذقنها وأنفها وجبينها وقامتها وخنصراها ويجعلها مشوّهة في لوحة كاريكاتورية ساخرة .
هامش
( 1 ) - الساجة : الطيلسان الواسع المدوّر . القسطار : التاجر ، الصيرفي الذي يتنقد الدراهم .
( 2 ) - الفصعل : العقرب الصغير . الضئيل : الضعيف . الكذينق : مدقة القصار . القصّار : محوِّر الثياب ومبيّضها وهو الصباغ . ( فارسية ) .