لَهَا ثَنَايَا تَحْكِي بِبَهْجَتِهَا * وَحُسْنِهَا ألْسُنَ الْمَوازِينِ
وَحَسْبُكَ الحُسْنُ فِي ضَفَائِرِهَا * مِثلُ الشَمَاريخِ فِي العَرَاجِينِ
والجِيدُ زَيْنٌ لِمَنْ تَأمَّلَه * أشْبَه شَيْءٍ بِجِيدِ تِنِّينِ
وَمَنْكِبَاهَا فِي حُسْنِ خَلْقِهما * فِي مِثْلِ رُمّانَتَيْنِ مِنْ طِينِ
وَأَحْسَنُ النَّاسِ مَحْجَراً أنْفاً * أشْبهُ شَيءٍ بِمِحْجَرِ النّونِ « 1 »
( 407 )
فنرى أنّ الشاعر في هذا الهجاء أيضا ، يعرض القبائح في موضع السخرية وفي أسلوب يشبه أسلوب المديح ، فإذا به ينقلب ضاحكا ، حيث يشبهها بما حوله من أشياء لا تخطر على بال ولا تمر بخيال ؛ فالفم كقصعة المساكين ، والثنايا كألسن الميزان ، والضفائر كالشماريخ في العراجين ، والجيد كجيد تنين ، والمنكب كرمّان من طين ، ومحجر الأنف كمحجر النون . فإنّه مسخها مسخا مزريا وعرضها شوهاء في أبشع صورة ممكنة .
وفي موضع آخر عرض للجسم كله ، ورسمه بشكل ساخر ، إذ قال :
شَخْصُهَا شَخْصٌ قَبِيحٌ * وَلَهَا وَجْه مُوَلِّي
وَلَهَا ثَغْرٌ كَأَنَّ اللَّ - * - ه غَشَّاه بِكُحْلِ
تَصِفُ النَكْهَةُ مِنْهَا * جِيفَةً فِي يَومِ طلِّ
رِدْفُهَا طَسْتٌ وَلَكِنْ * بَطْنُهَا زُكْرَةُ خَلِّ « 2 »
( 408 )
فنحن نتصور وجه المهجوة مولّياً ، وثغرها مغشي بالكحل ، وريح فمها كالجيفة ، إذا أصابها طل فنشر رائحتها الكراهية ، وردفها كالطست ، وبطنها كالوعاء فيه خلّ . فأي لوحة ساخرة تكون كهذه اللوحة الشعرية في اختيار رسامها لألوان التشبيه المقذعة وتصويره لأعضاء الجسد المفزعة ، وخاصة في رسمه الكاريكاتوري لردف المهجوة وبطنها . فيغمس ريشته في ميدان الخل بدلا من الخمر ، والجيفة في يوم الطل بدلا من زق الخمر في اليوم الغائم ، حتى عرض المهجوة بهذا العرض القبيح الذي جعل الناس يهربون منها ويستبشعونها
هامش
( 1 ) - النون : الحوت
( 2 ) - الزكرة : وعاء من جلد للخمر ونحوه .