تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
وَيَا أقْبَحُ مِنْ قِرْدٍ * إذا مَا عَمي القِرْدُ
بلغ تأثر بشار أن بكى ، فقيل له أتبكي من هجاء حمّاد ؟ فقال : والله ما أبكي من هجائه ولكنّي أبكي لأنّه يراني ولا أراه فيصفني ولا أصفه » ( النويهي 65 ) . ولكن هذا لا ينفي وجود بشار كشاعر من الشعراء الكاريكاتوريين ، إذ نرى عنده مقدرة كبيرة في رسم الصور الذهنية المتحركة التي لا تستمدّ جزئياتها من حاسّة البصر ، بل تعتمد على المدركات الذهنية المأخوذة من الحواس الأخرى التي اضطر الشاعر إلى استعمالها مستعيضا بها عن حاسة النظر ، فنمت بالاستعمال المكثر ، لكي تؤدي دورها في رسم الصور الكاريكاتورية الاجتماعية التي قالها متأثرا بنزعته الشعوبية ( انظر : الملحقات 2 : الرسم البياني 17 ) . وعلى الرغم من هذا الأمر لا يجدر بنا أن نغفل عن الصور الساخرة التي رسمها الشاعر لملامح مهجويه الخارجية ، كتلك الصورة التي جاء بها في قوله لمهجوه الزنجي الأسود ، حيث شبّهه بإبريق الخمر لتدلّي لحمه وانتفاخ بطنه واكتناز عجيزته ونحافة عنقه واسوداد لونه ، إلا أنّ الزق تذكو رائحته أكثر وهو أكثر شفافية ورقة ، فيقول :
فِي الفَتَى الزَنْجِيِّ مِنْهُ شَبَهٌ * غَيْرَ أنَّ الزِقَّ أذْكَى وَأَرَقْ
( 452 : 2 ) وعلى الأغلب هذا اللون من الهجاء في شعر بشار كان غاية للتنفيس عمّا يعتمل في صدره من غلّ ونقمة على مهجويه وكان وسيلته لدَرء سهامهم وردعهم ، لينكفئوا عن ايذائه ، خشية وتوقياً من هجائه المقذع ، حيث لا يمكنه التصدي إلا بسلاح الشعر ، ولاسيّما الهجاء الكاريكاتوري الذي كان نابعا من طبيعته الخَلقية والخُلقية واختفت خلفه عبقريته الفذة والنادرة في زمانه . وفي موطن آخر من ديوانه نرى لوحة ساخرة رسمها الشاعر لواصل بن عطاء ، وشبّهه فيها بذكر النعام لطول عنقه ، ثمّ بالغ في التشبيه فجعله كالظليم إن انصرف أو أقام . فيقول :
مَاذَا مُنيتُ بِغَزَّالٍ لَهُ عُنُقٌ * كَنِقْنِقِ الدَّوِّ إنْ وَلَّى وَإنْ مَثَلا « 1 » عُنقُ الزَّرافَةِ مَا بَالِي وَبَالُكُمُ * تُكَفِّرُونَ رِجَالًا كَفَّرُوا رَجُلا
( 475 : 2 )
هامش
( 1 ) - الغزّال : هو واصل بن عطاء ، لقب بالغزّال لأنّه كان يحترف صناعة الغزل وقيل لكثرة جلوسه في سوق الغزّالين .