تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
وكان بإمكاننا أن نلمح مثل هذه الصور الكاريكاتورية لدى أبي نواس الذي يهجو البشاعة والقبح في صورة بارعة ؛ ومن ذلك عندما رسم تصويرا ساخرا لأحد مهجويه ، وغلّف التصوير بخدعة لفظية في صفة إيجابية ، لكنّه أردفها بأوصاف ساخرة ، وذلك في قوله هذا :
قُلْ لإسْمَاعِيلَ ذِي الخَا * لِ عَلَى الخَدِّ السِّبَاعِي « 1 » وَلِذِي الْهَامَةِ قَدْ نُصَّ * - تْ عَلَى مِثْلِ الكُراعِ « 2 » وَلِذِي الثَغر الَّذِي يُطْ * - بقُ بِالشِّدْقِ التُّسَاعِي كَانَ إعْرَاسُكَ طُعْماً * للشَّواهِينِ الْجِيَاعِ « 3 »
( 403 - 404 ) فبدأ الشاعر رسمه لهذا المهجو بصورة إيجابية ، وذكر أنّ خده خد مورّد ، بينما أنّ قصده من رسم هذه الصورة لم يكن المدح ، حيث يأتي بعدها بصور ساخرة أخرى ، فيرسم هامة المهجو مركّبة على عنق مثل ساق الشاة ، ويجمع بين لفظ الثغر الذي يستخدم للإنسان ولفظ الشدق الذي يستعمل للحيوان ، وهذه من المفارقات التي تعتمد عليها الصور الكاريكاتورية والتي تمنح للساخر حدودا أوسع ، من خلال المقارنة والموازنة ، وتحمل القارئ أو الناظر على الضحك . ولا ريب أنّ أبانواس يعتبر من الشعراء الذين رسموا صوراً تستدعي الإعجاب بريشتهم . فهو شاعر متفنن بلغ قمة الشعر المصوّر في كثير من أبوابه ، ومنها باب الهجاء الذي حلّق برسمه الكاريكاتوري في سمائه ، فليس غريبا أن يقوم بوصف الجسد الكريه والجسم الدميم غير مغادر في هذا الوصف ميدان الابتكار والإبداع . مثلما نراه في عرضه لفم امرأة يهجوها ، وثناياها ، فيقول :
وَالفَمُ مِنْ ضِيْقِهِ إذَا ابْتَسَمَتْ * كَأنَّهُ قَصْعة المَسَاكِينِ
هامش
( 1 ) - السباعي : نوع من الورد . ( 2 ) - نصّت : من نصّ العروس : أقعدها على المنصة . الكراع من الإنسان : ما دون الركبة إلى الكعب ، ومن البقر والغنم : مستدق الساق . ( 3 ) - الشواهين : الصقور .