تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢

3 - 2 - 1 - الهجاء الكاريكاتوري لملامح الإنسان الخارجية

هذا الموضوع من أهم أشكال الهجاء الكاريكاتوري ، وأكثرها أصالة وجمالا ، وأشدّها فاعلية في التأثير والتعبير ، وذلك عندما يريد الشاعر الكاريكاتوري أن يتلاعب بكيان المهجوين ، ويتناول ما يتعلق بأجسامهم أو ما يتّصل بها ، ويسخر من الأشكال الغريبة التي تبرز في هيئتهم العامة أو في حركتهم ، يستمد الشاعر من خياله ويرسم بهذه العيوب المادية صورة غريبة ، ويلوّنها بألوان المبالغة غير المتوقعة لكي يخلق لوحة ساخرة تدعو القارئ أو السامع إلى المشاركة في السخرية والضحك . ففي هذا الموضوع الكاريكاتوري في الهجاء نرى أنّ الشعراء العباسيين يحاولون أن يحوّلوا مهجوهم إلى شخصية كاريكاتورية ، وذلك بتركيزهم على كل ما يتميز في ملامحه الخارجية وبخروجهم عن المألوف وتجاوزهم الحدود المنطقية وتغيير المقاييس التي تجعل المهجو واضحا ، ويثيرون السخرية منه ؛ لأنهم يؤمنون بأن الهجاء الكاريكاتوري أبلغ وأشد ايلاما من الهجاء بالفحش والسباب ، وله قدرة أكبر من غيره في الوصول إلى أكبر شريحة ممكنة ؛ حيث ينقل الأفكار بطريقة كوميدية . ويمكننا أن نجد مثل أهاجيهم هذه لدى بشار بن برد الذي كان هجاؤه الكاريكاتوري نتيجة حسّه المبرم الحاد ، وفطنته المبكرة المتفوقة ونقمته على مهجوه . ومن ذلك هجاؤه لأبي دلف ، حيث يقول :
أبو دُلُفٍ كَالطَبْل يذهبُ جَوفُهُ * وَبَاطِنُهُ خِلْوٌ مِنَ الخَيْرِ أخْرَبُ أبَا دُلُفٍ يَا أكْذَبَ النَّاسِ كُلِّهِمْ * سِوَايَ ، فَإنِّي فِي مَديْحِكَ أكْذَبُ
( سراج الدين 53 ) فبشار وإن كان من أوائل الشعراء العباسييين الذين قاموا برسم الصور الكاريكاتورية في أهاجيهم ، غير أنّ الملاحظ في أهاجيه الشخصية ، أنها لا تحمل الخصائص الكاريكاتورية بشكل متكامل إلا البعض منها ، وذلك لحرمانه من نعمة البصر التي تمنح الفنان الكاريكاتوري القدرة على التصوير واتّساع آفاق طموحاته في الرسم ، فلعلّ القصة التي تروى في تهاجيه مع حمّاد عجرد تدلّ على هذا الأمر . فهم يروون : أنّه « لمّا هجاه حماد ببيته :