بالأهواء الشخصية ، وفقا لهدف الهجاء الذي هو الحطّ من شأن المهجو وازدراؤه والهزء به ، فيجعله ضحكة للسامع وتفكهة للناس ، ويصوره بصورة مزرية يحمل الناس على الضحك بما يظهر من عيوبه وشوائبه وذكر مثالبه . ومثل هذا المضمون قد يعجب الكثير ويستوجب عنايتهم ، وإن فقد قسما كبيرا من قيمته بمرّ العصور ، حيث إن الناس اهتمّوا بحفظ ما يشتمل عليه من نادرة طريفة أو سخرية مسلية أو نكتة مضحكة . و « أكثر ما يكون ناجحا إذا استطاع فيه الشاعر أن يخفى حقده نحو الأفراد » ( محمد حسين ، الهجاء والهجّاؤون في الجاهلية : 24 ) . ولعلّ هذا الأمر هو الذي جعل نصيب الهجاء الكاريكاتوري في هذا المضمون أوفر وأكثر من بقية مضامينه .
ففي المضمون الشخصي للهجاء الكاريكاتوري ، لم يقف الشاعر العباسي عند الميدان الضيق في الهجاء العادي ، بل تجاوزه إلى ميدان آخر وهو رسم المهجو في صورة كاريكاتورية ساخرة ، صادقة أو كاذبة . فألّح على عيب أو نقص فيه بالتضخيم ، وجعل ذلك العيب ، كطول الأنف - مثلًا - ، أو كبرالمنخرين ، أو كراهة الرائحة ، أو دمامة الوجه ، أو القصر ، أو الصلع ، مدار شعره في الهجاء والتندر على المهجو ؛ وبهذا التضخيم والمبالغة لفت الأنظار إلى المهجو وأثار الضحكات منه ، وهذا ما نراه عند الكاريكاتوريين اليوم . وفي بعض الأحايين اخترع الشاعر الكاريكاتوري للمهجو عيبا أو نقصا من غير شفقة ولا رحمة ، لعله منه براء . فهو عرف أن العيوب والمشاهد كلها ، لا تثير الضحك ، وإنما مثير للضحك بعضها الذي يُعرض علينا بالغرابة والتفرّد ، حتى يوقظ انفعالاتنا . فلا بدّ له من اختيار العيوب التي تكون مرفوضة ومستهجنة لديه ، ورسمها بألوان المبالغة وبصورة ساخرة .
وبملاحظة دواوين الشعراء الكاريكاتوريين في العصر العباسي نرى أنّهم قد تناولوا في الهجاء الشخصي بعض الموضوعات التي يمكن دراستها تحت عنوانين ، هما : الهجاء الكاريكاتوري لملامح الإنسان الخارجية ، والهجاء الكاريكاتوري للجوانب المعنوية في ذات الإنسان .
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 121
مساهمون: عبد الغني ايروانى زاده
ص١٢١