السلطوية بين الحاكم والمحكوم والتفرقة الجنسية بين العربي والعجمي والتفرقة البيئية والمحلية بين الحضري والأعرابي والتفرقة الثقافية بين العلماء والشعراء والفقهاء ؛ فلهذا لم تقتصر أهاجيهم الكاريكاتورية على تصوير الأفراد والشخصيات فحسب ، بل كانت سخريات ضاحكة من الضعف البشري على وجه العموم غير موجهة إلى الأشخاص بالذات . وبناء على هذا الأمر يتناول الهجاء الكاريكاتوري في العصر العباسي المضامين المختلفة والمواضيع المتعددة .
فقد يكون تعبيرا عدوانيا عند اكتشاف ضعف الآخرين أو استمتاعا بالتقليل من شأنهم ، فيما يتعلّق بالملامح الخَلقية مثل : الوجه والأنف والذقن واللحية ، أو الأوصاف الخُلقية كالبخل والنتنة و . . . . وقد أثبتت دراسات عدة أنّ هذا النوع من الهجاء الكاريكاتوري يكون أكثر إمتاعا وطرافة من غيره .
وقد تكون له وظيفة اجتماعية في ما يتعلق بالقضايا الاجتماعية كالفقر والفساد ، للتواصل مع الناس ولتحقيق التفاعل بين الأفراد والجماعات وللتحكم في سلوك الآخرين بالتصوير الكاريكاتوري اللاذع ، وتحديد أنماط السلوك المقبول عبر النقد بالهجاء والسخرية ، والكشف عن العيوب الاجتماعية وتعديل القرارات الخاطئة وتحسين الظروف السيئة . وفي هذا المضمون كثيرا ما تُجسَّد الصفات الخاصة بجماعة ما ، أو فئة من الفئات ، بالتضخيم والمبالغة عليها لغرض التقليل من شأن هذه الجماعة أو غاية السخرية من تلك الفئة .
وقد يكون الهجاء الكاريكاتوري وسيلة للتعبير عن المكبوت تجاه الحكم والتدبير السياسي ، وأسلحة موجهة ضد القائمين على أمور الناس من أعلى الهرم كالخلفاء والوزراء والأمراء إلى قاعدته كالفقهاء والكتاب ، إذ إنّ الشعراء عبر الفكرة الكاريكاتورية رسموا لهم الصور الهجائية التي نفّسوا عن أنفسهم من خلالها ، واتخذوها كسلاح الأقلية ضد الأغلبية في النقد خلال الأزمات ، وسلاح الضعفاء ضد الأقوياء في فترات الظلم والاستبداد .
3 - 2 المضمون الشخصي للهجاء الكاريكاتوري وموضوعاته
هذا المضمون من أقدم المضامين الهجائية الموجّهة إلى فرد ينقم عليه الشاعر ، متأثرا