تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
القسوة والبشاعة لتكون أكثر ليونة واعتدالا ، وهذا ما جعل الهجاء الكاريكاتوري قوة حيوية تدفع بالتطور وتلافي النواقص . ومما يجدر الانتباه إليه في دراسة الهجاء الكاريكاتوري ، هو أنّ تطوّر هذا اللون من الهجاء - متأثرا بالظروف الثقافية والاجتماعية والسياسية - لم يقف عند حدوده في بداية العصر العباسي ، بل شهد قفزة نوعية بعد مرور سنوات من هذا العصر ولا سيما في بداية القرن الثاني ، وذلك لأنّ « التغيير الفكري والاجتماعي لا يترك أثرا مباشرا وسريعا في الفنون . فلا بد من مرور وقت كاف لكي يعيش الشاعر أو الفنان في هذا التغيير الجديد حتى تعتاده نفسه ويشربه ذوقه ويختمر في خياله ويرسب في أعماق حسه » ( محمد حسين ، الهجاء والهجاؤون في الجاهلية 227 ) ، فعلى هذا استغرقت هذه التغييرات سنوات عديدة لكي تؤثّر في نفسية ابن الرومي المتمتعة بخياله الرائع الذي كان قادرا على التحليق في سماء الصورالساخرة حتى يخلق اللوحات الكاريكاتورية التي تشيع فيها السخرية الشديدة وروح الفكاهة المضحكة ، إذ تميل نفسيته إلى إظهار العيوب كما يركز عليها رسامو الكاريكاتور . فهو فنان بارع أوتي ملكة التصوير ولطف التخيل والتوليد والابتكار وبراعة اللعب بالمعاني والأشكال . وأصبح نجما بسبب ابتكاره في خلق الصور الكاريكاتورية الهجائية . ومن أمثلة هذه الصور الكاريكاتورية ، الصورة التي يرسمها لصاحب لحية طويلة ، فيقول :
وَلِحْيَةٍ يَحْمِلُهَا مَائِقٌ * مِثْلِ الشِّراعَيْنِ إذَا أشْرَعَا « 1 » تَقُودُهُ الرِّيحُ بِهَا صَاغِراً * قَوْداً عَنِيفاً يُتْعِبُ الأخْدَعَا « 2 » فَإنْ غَدَا وَالرِّيحُ فِي وَجْهِه * لَمْ يَنْبَعِثْ فِي وَجْهِهِ إصْبَعَا لَوْ غَاصَ فِي الْبَحْرِ بِهَا غَوْصَةً * صَادَ بِهَا حِيتَانَهُ أجْمَعَا
( 192 : 4 ) و ( انظر : الملحقات 1 : الرسم الكاريكاتوري 15 ) ثم توالى ظهور الشعراء النوابغ في الهجاء الكاريكاتوري في العصر العباسي المديد ، حتى ظهر المتنبي الذي كان هجاؤه مشهورا ، إلا أنّه لم يتخذه وسيلة للتكسب شأن بشار ودعبل و
هامش
( 1 ) - مائق : أحمق ( 2 ) - الأخدع : عرق في جانب العنق .