تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
ابن الرومي ولم يكن ميالا بطبعه إلى هذا النوع من الشعر ؛ ولكنه بالرغم من هذا يتميز هجاؤه بالتصوير الكاريكاتوري المضحك والمبكي في آن معا ، حتى نتمنّى لو أطال المتنبي عند هذا اللون من الهجاء الكاريكاتوري وفتح عين الشعراء على باب الرسم الكاريكاتوري في الشعر الهجائي . ومن أجمل الصور التي رسمها في الهجاء ، تصويره الساخر لكافور الإخشيدي الذي وجد فيه المتنبي مادة غنية لهجائه الكاريكاتوري ، وذلك لأنه كان عبدا أسود ، خصيا ، مثقوب الشفة ، مشقق القدمين . فقال في هجائه له :
وتُعْجِبُني رِجْلاكَ فِي النَّعْلِ إنَّني * رأيْتُكَ ذا نَعْلٍ إذا كنتَ حَافِيَا وإنّكَ لا تَدْري ألَوْنكَ أسْوَدٌ * مِنَ الجَهْلِ أمْ قَد صَارَ أبيضَ صافِيَا وَيُذكِرُني تَخييطُ كَعْبِكَ شَقَّهُ * وَمَشْيكَ فِي ثَوبٍ مِنَ الزّفتِ عَاريَا وَمِثْلُكَ يُؤتَى مِنْ بِلادٍ بَعيدَةٍ * ليُضْحِكَ رَبّاتِ الحِدادِ البَوَاكِيَا
( 388 : 2 - 389 ) أمّا النظر في هجاء المتنبي وغيره من الشعراء الذين برعوا في هذا الفن فيظهرنا على أنّ اللون الكاريكاتوري أو الساخر من الهجاء لون صعب الأداء يتطلب موهبة خاصة وذكاء حادا وبديهة حاضرة ، كما يرى الشاعر أدونيس في كتابه ( انظر : مقدمة للشعر العربي 40 - 41 ) . وهو ظاهرة حية نابضة برزت لتعبير عن موقف رافض ومتمرد طورا ، وعن مشكلات نفسية واجتماعية طورا آخر ، إذ إن الآلام حين تشتد ، يبتسم المبدعون الكبار ويكون ابتسامهم هذا أشد أثرا من الدموع ، ينعكس في كلمات ومواقف ساخرة كما نرى عند شعراء العصر العباسي . فإنّه ليس بمستطاع كل فنان أن يكون مصوّرا كاريكاتوريا ، لأنّ الفنان الكاريكاتوري يستطيع أن يختلق موضوعات مختلفة وحساسة لتصويره الكاريكاتوري ، ويكون مبدعا لإنتاجه الذي لا يخلو من روح الحياة والحركة . ولابدّ للشاعر الكاريكاتوري من تفهم الواقع الكاريكاتوري أو النموذج الكاريكاتوري وتحليله ، وأن يستوحي من حديثه وإشاراته وأعماله خلال ملاحظاته له ، فيصوره عبر شعوره وحدسه لتظهر الصورة الكاريكاتورية للناس حسنة الرواء جذابة تفرح النفس والقلب ؛ بل لابدّ لذاتيته الفنية من الاندماج الكلي بموضوع رسمه الكاريكاتوري ليبدع عملا فنيا فيه روح و
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 113 | عبد الغني ايروانى زاده / ليلا جمشيدي