اتضحت وشغلت الشعراء في العصر العباسي ، وأثرت تأثيرا عميقا جذريا ، في تجديد الشعر وفي تطويره » ( حاوي 440 ) . فلا يستثنى الهجاء الكاريكاتوري من هذا الأمر ، إذ نرى الكثير من الشعراء الشعوبيين استهواهم رسم الصور الكاريكاتورية في أهاجيهم للذين احتقروهم . ومنهم بشار بن برد الذي كان أعمى ، ونشأ في بيت فاقة واضطراب ، وظهر فيه الميل إلى الهجاء منذ صغره ، ولعل من أهم المشاكل التي أدت إلى إفاضة ذلك الشعور الراغم الذي تفجّر حنقا وغيظا على الذين احتقروه ، هي مشكلة الولاء ، إذ كان العرب كما أسلفنا يحتقرون الموالي ويعيّرونهم ولاءهم ويحتقرونهم به . ولقد كان بشار يلزم نفسه أن يثور على الذين يحتقرونه بالولاء ؛ ومنهم أعرابي يسخر من بشار بقوله : « ما للموالي والشعر » ( انظر : الأصفهاني 662 : 3 ) ، فغضب بشار مفاخرا بالفرس ، هاجيا للعرب ، وأنشد :
أعَاذلَ لا أنَامُ عَلَى اقْتِسَارِ * وَلا ألْقَى عَلَى مَوْلىً وَجَارِ « 1 »
أحِينَ لَبِسْتَ بَعْدَ العُريِ خَزاً * وَنَادَمْتَ الْكِرامَ عَلَى العُقارِ « 2 »
تُفاخِرُ يابنَ رَاعِيةٍ وَرَاعٍ * بَني الأحرارِ ، حَسبُك من خَسارِ
وكُنْتَ إذا ظَمِئْتَ إلى قَرَاحٍ * شَركْتَ الكَلْبَ فِي وَلْغِ الإطارِ
وتَقْضِمُ هامَةَ الجُعَلِ الْمُصَلَّى * ولا تُعنى بدُرّاج الدّيارِ « 3 »
وفَخرُكَ بَينَ يَرْبُوعٍ وضَبٍ * على مِثْلِي من الحَدَثِ الكِبَار « 4 »
مقامُكَ بَيْنَنَا دَنَسٌ عَلَيْنَا * فَلَيْتَكَ غَائِبٌ فِي حَرِّ نَارِ
( 313 : 2 - 316 ) و ( انظر : الملحقات 1 : الرسم الكاريكاتوري 10 )
فهذا الهجاء كما يبدو هجاء شعوبي بالتصوير الكاريكاتوري المضحك . فهو يصوّر العربي بأنّه كان عاريا في الفلوات ، بينما كان الأكاسرة ينعمون بالخز ، فهو ابن راعية وراع حقيرين ، بينا كان الفرس بني حضارة وسؤدد . إنّ هذا التصوير الساخر لو جعلته في لوحة ، لوقف الناس أمامها ضاحكين ، لِما رسمه بشار من صور متحركة كاريكاتورية وذلك إذ يقول : إنّ العربي لم
هامش
( 1 ) - الاقتسار : القيام بعمل ما قسراً لا طوعا .
( 2 ) - العقار : معاقرة الخمرة وشربها .
( 3 ) - الجُعل : الخنفساء السوداء .
( 4 ) - يربوع وضب : هنا يقصد بهما وليس قبيلتين .