تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
فكرة تدل على الإحساس بالذوق والجمال . فليس من المبالغة القول إنّه لابدّ لتحليل الهجاء الكاريكاتوري القيام بتحليل نفسية الشاعر وتصاويره الساخرة ، وتحليل عناصرها المكوّنة من المضمون والموضوع ، والسخرية والمبالغة والأسلوب ، وتآلفها مع الحدث الذي قام بعرضه الشاعر ، والتزامه بنهج معيّن بين الموالاة والمعارضة أو الحياد . فلا شك أنّ الشاعر هو الذي يحدّد عدد العناصر ونوعيتها على سطح اللوحة ويبرز الحركة ، والفكرة الأساسية فيها بشكل يتناسب مع رؤيته الفنية ومهارته التصويرية المتجسّدة ظاهريا في المبالغة والدعابة والسخرية والهزل . مما أسلفنا من البحث في هذا الفصل وصلنا إلى أنّ النزعة الكاريكاتورية في الهجاء أدت إلى انبثاق لون جديد منه استوجب رغبتنا في اختيار تسميته بالهجاء الكاريكاتوري لاتصافه بسمات تتشابه بينه وبين الرسم الكاريكاتوري اليوم . وذلك لأنه لون من التصوير الهزلي الساخر الذي يمثل عيوب المهجوين الجسدية والمعنوية بالمبالغة والتركيز وعدم التناسق في أجزاء الصورة ، فهذه الصورة في الهجاء الكاريكاتوري شكلت أهمية كبرى ضمن أسلوب جديد يجعل هذا اللون من الهجاء أفضل أنواعه وألطفها وأشدها وقعا على نفوس المهجوين ، إذ يجسم العيوب بتصوير كاريكاتوري يضحك ويثير السخرية من المهجو ، خاصة إذا كان التصوير يرمز إلى التقليل والتهميش أو إلى التركيب على رموز مستهانة ومستحقرة . أمّا الانتماء الأدبي إلى الهجاء الكاريكاتوري فلا يقلل من انتمائه إلى الفن التصويري الكاريكاتوري ، حيث إنّه يعتمد في نشاطه على قطبين ، هما : أداة التعبير التصويرية وأداة التعبير الأدبية ، وإن كانت الأداة الأدبية هي الأساسية في الهجاء الكاريكاتوري منذ نشوئه ، فإنّ الأداة التصويرية الكاريكاتورية في بعض الأشعار الهجائية في العصر العباسي تتفوق على الأداة التعبيرية . وعلى سبيل المثال لا الحصر ، بعض الصور الكاريكاتورية الشعرية عند ابن الرومي تتفوق فيها الأداة التعبيرية الكاريكاتورية على أداة التعبير الأدبية . إنّ الهجاء الكاريكاتوري وإن لم يكن وليد العصر العباسي وظهر منذ القديم كحركة قديمية بدائية في التصوير الهجائي الساخر ، وفي شعر بعض الشعراء الجاهليين والأمويين ،
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 114 | عبد الغني ايروانى زاده / ليلا جمشيدي