تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
إلا أنّه لم يتوجّه إليه كأسلوب مستقل بذاته إلا في هذا العهد ، حيث ولجه الشعراء العباسيون بقوة ، ومضوا في استكشاف ما وراءه ، فبلغوا به آفاقا لم يبلغها القدماء ، وذلك بسبب التطورات التي رافقت حياة المجتمع وطبيعة الشعراء العباسيين الخصبة ، وتعدد جوانبها . فأبدعوا في حيز هذا النطاق إبداعا كبيرا ، وتنوعت تجاربهم فيه تنوعا كثيرا . وبرز من بينهم بشاربن برد وأبو نواس ودعبل والمتنبي وعلى رأسهم ابن الرومي الذي تربع على هذا الفن وظل أكثرهم حضورا في تناوله . إنّ تطور الهجاء الكاريكاتوري كان متأثرا بالظروف الثقافية والاجتماعية والسياسية ، فلم يقف مستواه عند حدوده في بداية العصر العباسي لدى أوائل الشعراء العباسيين الذين قاموا برسم الصور الكاريكاتورية في أهاجيهم ، كبشار بن برد الذي لا تحمل صوره الهجائية ولاسيّما في المضمون الشخصي ، الخصائص الكاريكاتورية بشكل متكامل إلا البعض منها ، وذلك لحرمانه من نعمة البصر التي تمنح الشاعر الكاريكاتوري التصوير واتساع آفاق طموحاته . غير أننا نرى عنده مقدرة كبيرة في رسم الصور الذهنية التي لا تستمدّ جزئياتها من حاسة البصر ، بل تعتمد على المدركات الذهنية المأخوذة من الحواس الأخرى ، واضطر الشاعر إلى استعمالها مستعيضا بها عن حاسة النظر ، لكي تؤدي دورها في رسم الصور الكاريكاتورية الاجتماعية التي قالها متأثرا بنزعته الشعوبية . فمارس بعده التجول في ميدانها أبو نواس ، وإن لم يكد يبلغ إلى قدرة بشار في رسم الصور الكاريكاتورية التي تتسم بنزعة الشعوبية ، ولا سيما تلك المظاهر التي تحتقر شأن العرب وتعرض لشأنهم ، ولكنه قد حلّق برسمه الكاريكاتوري في المجالات الأخرى ، ولم يغادر فيها ميدان الإبداع والابتكار ولاسيّما في الصور الكاريكاتورية المتحركة التي تشبه في كثير من الأحيان الصور الكارتونية . وبعد أبي نواس نجد أنّ دعبلا يستوفى وجوه الهجاء الكاريكاتوري أحيانا استيفاء ابن الرومي الذي شهد هذا اللون من الهجاء عنده قفزة نوعية ، حيث استغرقت التغييرات الفكرية والاجتماعية في العصر العباسي سنوات عديدة لكي تؤثر في نفسية ابن الرومي المتمتعة بخياله الرائع الذي استطاع أن يُنمِّي الهجاء في الجانب الكاريكاتوري إلى ذروة لم يصل إليها الهجاء العربي قبله ولا