يكن يشرب الماء الصراح لفقره ، بل يلغ بماء الوحول ، مشاركا البهائم ؛ أي إنه يعاني مصير الكلاب . كما إنّه ما برح يشرك الخنزير والكلب في الحياة والمصير .
ومن أجمل الصور الكاريكاتورية الهجائية التي نراها في هذا العصر ، ما نجده في هجاء العطايا التي كان ممدوحو الشعراء يهبونها إليهم ولم ترضهم . وقيل : إنّ ممدوح الحمدوني ، أحمد بن حرب المهلبي الذي طالما دبّج فيه مدائحه ، وهب له طيلسانا أخضر لم يرضه ، فمضى ينظم في طيلسانه مقطوعات ، وكلما فرغ من مقطوعة نظم مقطوعة جديدة حتى أكملها خمسين مقطوعة طارت على ألسنة الأدباء والناس في عصره كل مطار منها :
يابنَ حَرْبٍ كَسَوتَني طَيْلَساناً * مَلَّ مِن صُحْبَةِ الزمانِ وَصَدَّا
إنْ تَنَفَّسْتُ فيه يَنْشَقُّ شَقَّا * أو تَنَحْنَحْتُ فيه يَنقدُّ قَدَّا
طالَ تَرْداده إلى الرَّفْو حَتى * لَو بَعَثْنَاه وَحْدَه لَتَهَدَّى
( الحصري 550 : 1 )
فلا تنته الأبيات ، حتى يتفجّر القارئ من الضحك لِما رسمه الشاعر من صور جميلة مضحكة لهذا الطيلسان . فأكثر الأبيات سخرية وألذعها البيت الأخير ، بل كلها ساخرة لاذعة . فالطيلسان أكل الدهر عليه وشرب ، حتى لكأنما ملَّ صحبة الدهر ، فقد آن له أن يبلى ويستريح ، وإن أي حركة فيه لتمزّقه إرباً ، وكل يوم ينخرق فيه خرق ويذهب به إلى دكان الرفاء ، حتى لوبعث به إليه لعرف الطريق من طول ترداد سيره فيه .
وبناء على ما أسلفنا من النماذج في الهجاء الكاريكاتوري ، لعلّنا نستطيع أن نقول : إنّ العصر العباسي قد لاحظ نشاطا ملحوظا في اهتمام الشعراء بفن الكاريكاتور في أهاجيهم ونهوضهم به ، إذ هو موجود في شعر العديد من الشعراء الذين حظوا بالبراعة الفنية الكثيرة في ساحتهم التصويرية التي تعتبر شكلا من أشكال السخرية وتوصيفا شكليا بالغا لأحد الجوانب المميزة للشخصية ، سواء أكانت اجتماعية أم سياسية أم اقتصادية . فالهجاء الكاريكاتوري عندهم هو إجادة التعبير بطريقة الشعر ، وله خصوصية من خلال التبسيط والقدرة على كشف العيوب من خلال إثارة السخرية وتضخيم العيوب ، والتركيز على المفارقات بطريقة تثير الضحك وتطول جميع أنواع السلوك والطباع ؛ لذلك فإنّ هذا الفن بمنزلة عقوبة وزجر أو ردع