فقال :
ذَقَنٌ نَاقِصٌ ، وَأنْفٌ طَوِيلٌ * وَجَبِينٌ كَسَاجَةِ القِسْطَارِ « 1 »
قَامَةُ الفُصْعُلِ الضَئيلِ وَكَفٌّ * خِنْصَرَاهَا كُذِيْنَقَا قَصَّارِ « 2 »
( 111 )
فرسم لها الذقن الناقص ، والأنف الغليظ ، والجبين الواسع ، والقامة الضئيلة ، والكف كمدقّ الثياب ، فجعلها بعيدة عن جمال الجنس اللطيف غريبة الأعضاء ، غليظة في كل شيء .
وكذلك رسم الشاعر لوحات أخرى ، فعرض للصوت والرأس والشعر واللحية واللعاب و . . . وحتى لم يبعد عن نظره في رسم هذه اللوحات ، ما رآه من الجزئيات في وجه النساء ، كالثآليل فصورها بأشكال مزرية مضحكة . مثلما نراه في اللوحة التي رسمها في هجاء أم ولد له ، فيقول :
لَها شَعْرُ قِرْدٍ إذَا ازَّيَّنَتْ * وَوَجْهٌ كَبَيْضِ الْقَطَا الأَبْرَشِ « 3 »
وَسَاقٌ مَخَلْخَلُهَا حَمْشَةٌ * كَسَاقِ الْجَرَادَةِ أو أحْمَشِ « 4 »
كأنّ الثَّآلِيلَ في وَجْهِهَا * إذا سَفَرَتْ ، بِدَدُ الكِشْمِشِ « 5 »
وثَدْيٌ يَجُولُ على نَحْرِهَا * كَقِرْبَةِ ذِي الثلَّةِ المُعْطَشِ
( 206 ) و ( انظر : الملحقات 1 : الرسم الكاريكاتوري 8 )
فهي إذا تزيّنت بدت في شعرها كقرد سمج ، ووجهها كوجه القطا الأبرش قد توزّعت فيه نقط بيض ، وساقها قليلة اللحم تشبه ساق الجرادة وثديها يجول لكبره على نحرها ، ويهتزّ لضخامته كما تهتز قربة متدلية قد أعدّت لضأن كثير .
أمّا هناك فميزة أخرى لا تقل أهمية عن مميزات العصر في ظهور الهجاء الكاريكاتوري ، تلك الميزة التي ظهرت في التنازع بين العرب والموالي . « لقد دأب الشعراء منذ العصر الأموي على التهاجي والتفاخر ، في الأصل العربي أو الأصل الأعجمي . إلا أن هذه الحركة
هامش
( 1 ) - الساجة : الطيلسان الواسع المدوّر . القسطار : التاجر ، الصيرفي الذي يتنقد الدراهم .
( 2 ) - الفصعل : العقرب الصغير . الضئيل : الضعيف . الكذينق : مدقة القصار . القصّار : محوِّر الثياب ومبيّضها وهو الصباغ . ( فارسية ) .
( 3 ) - الأبرش : من كان على جلده نقط بيض .
( 4 ) - المخلخل من الساق : موضع الخلخال . الحمشة : الرقيقة القليلة اللحم اليابسة .
( 5 ) - البدد : المتفرق واحده بدة . الكشمش : العنب الصغار الذي لا عجم له . الثآليل : القطع المتفرقة .