يهجو رجلا يقال له الخثعمي لطول أنفه ، إذ قال :
رَأَيْتُ الْخَثْعَمِيَّ يُقِلُّ أَنْفاً * يَضِيقُ بِعَرْضِهِ الْبَلَدُ الْفَضَاءُ
هُوَ الْجَبَلُ الَّذِي لَوْلا ذِرَاهُ * إذاً وَقَعَتْ عَلَى الأَرْضِ السَّمَاءُ
( 9 : 1 )
فتصوير المهجو بهذا الأنف الكبير يذكرنا بما نراه من الصور الكاريكاتورية اليوم ، وأسلوب الشاعر في الهجو يسوقنا إلى الطريقة التي يسلكها الكاريكاتوريون في تناول عيوب معارضيهم في اللوحات الساخرة التي تعتبر المادة الصحفية المفضلة لجميع القراء بغض النظر عن مستوياتهم الثقافية .
ومن هذا القبيل قول أبي نواس يصف رغيف سعيد البخيل :
رَغِيفُ سعيدٍ عِندَه عِدْلُ نَفسِهِ * يَقَلّبُهُ طَوْراً ، وَطَوْراً يُلاعِبُه
وَيُخرِجُه مِن كُمِّهِ ، فَيَشُمُّه * وَيُجْلِسُه في حِجْرهِ وَيُخاطِبُه
وَإنْ جَاءَهُ المِسكينُ يَطلُبُ فَضْلَهُ * فَقَد ثَكِلَتْه أمُّه وَأقارِبُه
يَكُرُّ عَلَيهِ السَّوط مِنْ كُلِّ جانِبٍ * وَتُكْسَرُ رِجْلاهُ ، وَيُنْتَف شاربُه
( 403 )
فلا شكّ أنّ معنى البخل كان شائعا في الهجاء القديم ، إلا أنّ الشاعر ابتكر في طريقة ظهوره وصوّره بالأسلوب الكاريكاتوري المضحك ، حيث وجد فرصة يبذل فيها موهبته في رسم التصوير الساخر وبراعته الفنية الكبيرة في الهجاء .
ومن المجالات التي فرضت نفسها على الهجاء مجال المرأة ، حيث إنّ الشعراء منذ القديم حملوا عليها حملة قاسية ، غير أنّ الشعراء العباسيين صوروا بشاعتها في اللوحات الساخرة التي تشبه اللوحات الكاريكاتورية اليوم ، ويحسن بنا للإشارة إلى هذا المجال ، أن نقف عند دعبل وقفة قصيرة ، في أسلوبه الكاريكاتوري في هجو النساء ومنهنّ « جوهر » ، حيث يقول :
ألْمِمْ بِوَطْبَاءَ في أشْدَاقِهَا سَعَة * فِي صُورَةِ الْكَلْبِ إلا أنَّهَا بَشَرُ « 1 »
هامش
( 1 ) - الوطباء : العظيمة الثدي