السخرية والكاريكاتور و . . . ، وليس وليد العصر العباسي ، غير أنّه لم يُتوجّه إليه كأسلوب مستقل بذاته إلا في هذا العصر ، بسبب التطورات التي رافقت حياة المجتمع ، وبفعل عوامل الانفتاح على حياة الترف والبذخ والانحلال . ثمّ إنّ استخدام الأسلوب الساخر يتزايد في الأوقات الحرجة التي يمرّ بها الأفراد والجماعات والشعوب بغض النظر عن مستوياتهم الثقافية ، فهو يملك سحرا غير عادي عند الناس ، خاصة إذا تميّز ببساطة وإصابة في المواضيع الحساسة التي تهم أكثر شرائح المجتمعات . وهذا ما نراه جليا في فنون العصر العباسي ومنها الشعر الذي كان مرآة الحياة في شتى وجوهها ولاسيّما الهجاء حيث يتميز بسهولة الألفاظ وببساطة التعبير والميل إلى أسلوب قريب المدرك يمكننا أن نطلق عليه « الأسلوب الشعبي البسيط » ، كقول أبي الشمقمق في هجاء بشّار الذي يجري على هذا الأسلوب الشعبي ، حيث قال :
هَلّلينَه هَلَّلينَه * طَعْنَ قِثَّاةٍ لِتِينَه
إنَّ بَشارَ بنَ بُرْدٍ * تَيْسٌ أعْمَى فِي سَفِينَه
( 62 )
فإنّ الهجاء كظاهرة متأثرة بالظروف المختلفة ، قد انعكس على ما يهم المجتمع العباسي في تصوير هزلي يتضمن نقدا للسلبيات الحياتية بأشكالها المختلفة وبأسلوب بسيط ، بواسطة عينه الخفية التي تعتمد على المبالغة ومزج الواقع بالخيال ، واستقل بلونه الذي سميّ بالهجاء الكاريكاتوري . فهذا التيار الهجائي الساخر قد جذب نخبة من كبار شعراء العصر وكتّابه ، فلا غرابة أن يظهر في أهاجي معظم الشعراء : كبشاربن برد ، وحماد عجرد ، وعبد الصمد بن المعذل ، والعتبي ، والحمدوني ، وأبي الشمقمق ، ودعبل الخزاعي ، وأبي نواس ، ومنصور الأصفهاني ، والبحتري ، وابن الرومي ، وابن سكرة والمتنبي وغيرهم ، ما يتسم بالتصوير الكاريكاتوري الساخر ، وكذلك في ما يكتب الكتّاب ومنهم : الجاحظ ، وأبو العيناء ، وبديع الزمان الهمداني ، والحريري وغيرهم .
فإنهم إذا صادفوا القبح ، شرعوا يتفرّسون به ، يطوونه في أنفسهم ، يهجسون به ، ويتمثلونه حينا ، بعد حين ، ثمّ ينشرونه وقد فتق لهم بأبشع صور السخرية والتشبيه . كقول البحتري