غَليظَة جِلد المِنخَرَينِ مُصِنَّة * على أنْفِ خِنزيرٍ يُشَدُّ نِقابُها « 1 »
( 57 )
فهو يرى عند أهل الأخطل شَعرا كثيرا في مناخيرهم ، وكان العرب يتقززون منه وينفرون . فلذلك يلح على قبح المنخرين ، ولاسيّما عند النساء ، ويرسم لأم مهجوه جلد المنخرين في غلظة ، ويشبّه أنفها بأنف الخنزير قد شدّت عليه النقاب . فلا يرى الناظر في مثل هذه الصورة جمالا للمهجوة أو دلالا يثير الإعجاب ، بل يرى فيها بشاعة تفوق الخنزير ولاسيّما إذا عرف ما للخنزير عندهم من تحقير واستهانة .
وفي مكان آخر يرسم لأم الأخطل صورة مضحكة ، حيث يصوّر أسنانها :
لمْ يَجْرِ مُذ خُلِقتْ على أنْيابِها * ماءُ السواكِ ولَمْ تَمسَّ طَهُورا
( 288 )
فيرسم الشاعر لها أسنانا سوداء لم يمرّ بها ماء السواك ، بينما هي امرأة علّمها الإسلام نظافة وطهارة وطيبا ، فتعتبر الصورة كناية عن عدم التزام المهجوة بأمور الدين ، كما تصوّرها خالية من الجمال الذي يستمدّه الرجل الناظر إليها ، ويستوحى السحر والطيب منها .
وهكذا عندما نبحث في ديوان جرير نعجب بخيال الشاعر وبعده ، وذهابه في جمع شتات القبح ، وحشره في صور كاريكاتورية ، كأنه رسام يعشق الجمال ويكره غيره ، بل ينفر منه فيثيره على رسم لوحات ساخرة بالألفاظ والمعاني ، يقول فيها هذا اللون من الوصف والتندر ، والتشفي والانتقام ، لكي يبرز كرهه من هذه العيوب في أسوأ شكل لو وضعت في لوحة لانفجر الناس أمامها ضاحكين .
أمّا رسم الصور الساخرة في العصر الأموي فلا ينحصر بجرير فحسب ، بل نرى أنّ الشعراء الآخرين جرّبوا مقدرتهم الشعرية في هذا المجال . كما نجد هذا الأمر عند الفرزدق وهو أحد الشعراء الفحول الثلاثة الذين ذاع صيتهم في هذا العصر ، ولم يكن أقل مقدرة من جرير في مجال التصوير الساخر في الهجاء . ومن ذلك قوله في هجو عقبة بن جيار مولى لبني حدان بن قريع لبخله :
لو أن قِدْراً بَكَتْ مِنْ طول مَا حُبِسَتْ * عَلَى الْحُفُوفِ بَكَتْ قِدرُ ابن جيّارِ
هامش
( 1 ) - مصنّة : فتنة .