ما مَسَّها دَسَمٌ مُذ فُضَّ مَعدِنُها * وَلا رَأتْ بَعْدَ عَهدِ القَين مِن نارِ
( 358 : 1 )
إنّ الفرزدق قد عرض بخل مهجوه بأسلوب ينطوي على كثير من السخرية ، بالتشخيص وترسيم صورة متحركة للقدر التي حبسها صاحبها ، وبكاءها من طول هذا الحبس . ثم تأتي التصوير الثاني لتبرهن وتقرر أو تحقق الصورة التي رسمها الشاعر في البيت الأول .
ومثل هذا التصوير الساخر ، نراه أيضا في هجائه لقوم جرير وقد جلست نساؤهم في الأزقة مستسلمات لكلّ مُغير . وذلك إذ يقول :
وَتُمسي نِسوة لِبَني « كلَيبٍ » * بأفْواهِ الأزقَّة مُقْعياتِ
يَبِعْنَ نُفوسَهنّ بِكلِّ فَلْس * كبيْع السُّوق خُذْ منّي وَهاتِ
( 126 : 1 )
فإذا بحثنا في هجاء شعراء العصر الأموي نرى أنّ هذه الصورة سارت وحدها على لسان أكثر شعراء هذا العصر ، وسوق الفرزدق رائجة فيما يبدو لهذه الصور ، يخوض فيها بحرا من الشتائم ليرسم النسوة وقد أوغلن في الفحش .
وينبغي أن ننتبه إلى هذه الحقيقة وهي أنّ الصور الكاريكاتورية الهجائية وإن لم تظهر ، في العصرين الجاهلي والأموي ، كظهورها في العصر العباسي ، ولم يكن أسلوبها متكاملا تكاملا نوعيا كما نراه فيما بعد ، غير أنها قد شقت طريقا معلما في عالم الهجاء الساخر ، حيث واصل الشعراء النوابغ بعد العصر الأموي ، الحركة الكاريكاتورية في الشعر وأكملوا ما بدأه الشعراء الساخرون في العصرين الماضيين ، وصوّروا لوحات ساخرة شهيرة بألفاظ هجائية وبأسلوب رفيع يشفى المتفنن والفنان مما يغيظ به ، ويشبه بالسم القاتل الذي يسري في جسم المهجو من غير ضجة ولا ضوضاء ، كما ساعدهم في رسم هذه اللوحات الساخرة خيال خصب استطاع بعد مزج العيوب بعضها ببعض أن يخلق الصور الكاريكاتورية المضحكة التي أصبحت متكاملة في العصر العباسي .
2 - 4 - 5 ظهور الهجاء الكاريكاتوري في العصر العباسي
إنّ الهجاء الكاريكاتوري وإن كانت له جذور تمتد إلى العصور المتقدّمة وربّما إلى أعماق التاريخ ، كأداة قديمة من أدوات الاتصال والتعبير ، لاختلاطه مع باقي الفنون كالهجاء
و