مِنْ كُلِّ مُنْتَفِخِ الوَريدِ كَأنّهُ * بَغْلٌ تَقاعَسَ فَوقَهُ خُرجَانُ « 1 »
( 606 )
هذا وقد تجلّى في نقائضه ، طابع السخرية بأسلوب كاريكاتوري ، وذلك في العديد من اللوحات التصويرية التي رسم فيها صورا ساخرة لمهجويه . ومنها ، تلك الصورة التي رسمها للفرزدق في هذا البيت :
وَهَلْ كانَ الفرزدَقُ غَيرَ قِردٍ * أصَابَتْه الصَواعقُ فاسْتَدارا « 2 »
( 275 )
ولمّا كان الفرزدق قصير القامة ، ذميم الوجه ، فتلك فرصته السانحة لكي يضرب على هذا الوتر ، ويولد منه صورة ساخرة فيقول
لقد وَلَدَتْ أمُ الفرزدَقِ فاسقاً * وجاءَتْ بِوِزْواز قَصير القَوائمِ « 3 »
( 590 )
: واللوحة التي رسمها الشاعر لأم الفرزدق وإن اتسمت بالسكون في الظاهر إلا أنّ دلالة الألفاظ فيها تجسّد الحركة وتبعث السخرية وتؤثّر في الإحساس والمشاعر . وهذه السخرية لاتتوفر في مثل هذه اللوحة الشعرية إلا متى استجمع المتلقي هذه الدلالات التي تخلق الصور المركبة . كما أنّ الشاعر لم يكتف في هجائه بهذا الشكل التعبيري الذي ينقل المبنى السكوني إلى المبنى الحركي ، بل نجد عنده ما ابتكره من الصور المتحركة التي يسهل على الذهن اختزالها فيستدعيها القارئ متى شاء ، ومن الأمثلة على ذلك تلك الصورة الساخرة التي رسمها لبخل « بني تغلب » - قوم الفرزدق حيث يقول :
وَالتَّغْلِبِيُّ إذا تَنَحْنَحَ للقِرَى * حَكَّ اسْتَه وَتَمَثَّلَ الأمثالا « 4 »
( 458 )
وفي بعض الصور نرى جليّا براعة الشاعر في تصوير العيوب والصاقها بالمهجو وإخراجها إخراجا حسنا في صورة بارعة تثير الناس على الضحك ، ومنها مهارته في اللوحة التي رسمها لأم الأخطل ، إذ قال :
هامش
( 1 ) - الخرج : وعاء معروف يوضع على ظهر الدابة .
( 2 ) - استدار : تحوّل من قرد إلى إنسان .
( 3 ) - وزواز : كثير الحركة .
( 4 ) - تنحنح : تردّد صوته في صدره . القرى : ما يقدّم للضيف . استه : سافله .