ظاهر غير مراد من دون القرينة لزم أحد أُمور ثلاثة : إمّا خروج الخطاب عن كونه خطاباً ، أو الإغراء بالجهل ، أو التكليف بالمُحال ؛ لأنّه إن لم يقصد الإفهام أصلًا لزم الأوّل ، وإن قصد إفهام ظاهره مع عدم إرادته لزم الثاني ، وإن قصد خلاف ظاهره لزم الثالث .
وأمّا الدعوى الثانية فظاهرة ، فإنّ المفسدة ، وهي الإغراء بالجهل ترتفع بالإجمال .
وأمّا الثالثة ؛ فلإمكان تعلّق الغرض بالخطاب إجمالًا ؛ لاشتماله على مصلحة لا توجد في غيره « 1 » .
وأجاب المصنّف بمنع لزوم الإغراء لتحقّق التقرير في العقل ؛ لجواز إرادة خلاف الظاهر ، كالمتشابهات « 2 » .
ويشكل بوجود الدليل العقلي في المتشابهات ، بخلاف المتنازع ، وجواز إرادة خلاف الظاهر لا ينفي اعتقاد إرادة الظاهر . نعم ، هو ظنّ ؛ لخلوّه عن الجزم .
احتجّت الأشاعرة بوقوعه في قوله تعالى :
« فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ »
« 3 » ومعنى
« قَرَأْناهُ »
أنزلناه ، و
« ثُمَّ »
للتراخي .
ويشكل بدلالتها على تأخير البيان عن الإنزال ، والمتابعة في التلاوة لا على التأخير عن الخطاب ؛ إذ التلاوة وتلقين القرآن ليس خطاباً ؛ لأنّه قد لا يقصد به الإفهام ، ولقوله تعالى :
« أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً »
« 4 » ، وهي معيّنة لوصفها بالصفرة وغيرها ، ولسؤالهم تعيّنها ، ولو كانت منكّرة لما احتاجوا إليه ، ثمّ لم يبيّنها لهم إلّا بعد السؤال .
ويقول ابن الزبعرى « 5 » : الملائكة والمسيح حصب جهنّم ؛ لأنّهم عُبِدوا ، فتأخّر
هامش
( 1 ) . نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 2 ، ص 442 - 445 .
( 2 ) . نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 2 ، ص 447 وما بعدها .
( 3 ) . القيامة ( 75 ) : 18 - 19 .
( 4 ) . البقرة ( 2 ) : 67 .
( 5 ) . هو عبد الله بن الزبعرى شاعر قريش في الجاهليّة ، كان أشدّ الناس على النبيّ صلى الله عليه وآله والمسلمين ، ثمّ أسلم عامالفتح ، واعتذر ، ومدح النبيّ صلى الله عليه وآله ( توفّي حدود سنة 15 ه ) . راجع الأعلام ، الزركلي ، ج 4 ، ص 87 .