دليلكم ؛ لعدم سلامته عن الاحتمال ، أو نقول بقوله ، ثمّ إنّ التراخي عن جمعه في اللوح المحفوظ ، لا عن وقت الخطاب ، و « البقرة » غير معيّنة ، بل هي منكّرة ؛ لظاهر الآية « 1 » ، ولأ نّها لو كانت معيّنةً لما استحقّوا التوبيخ بالسؤال ، وسؤالهم البيان إمّا لغلطهم حيث حملوا لفظ النكرة على المعيّنة ، أو ليمتحنوا في الإخبار عن المغيّبات ؛ لأنّهم وإن كلّفوا بذبح أيّ بقرة شاؤوا إلّاأ نّهم لا يذبحون إلّامعيّنة ، أو أنّه تعالى كلّفهم بالتعيين بعد السؤال للمصلحة ، كما قال ابن عبّاس : إنّهم لو ذبحوا أيّة بقرة لأجزأتهم ، لكنّهم شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم « 2 » .
سلّمنا ، لكن لِم لا يجوز أن يكون بيّنها بياناً إجماليّاً ، وسؤالهم عن التفصيل ، والبيان الإجمالي جاز أن يكون من موسى عليه السلام وإن لم يكن في الآية .
وابن الزبعرى غلط من وجهين :
الأوّل : أنّ « ما » لمن لا يعقل .
الثاني : أنّ العرب لم يعبدوا الملائكة والمسيح ، وإنّما كانوا يعبدون الأصنام والأوثان ، والخطاب لهم .
اعترض بقوله تعالى :
« وَالسَّماءِ وَما بَناها »
« 3 » ،
« وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ »
« 4 » ،
« وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى »
« 5 » . ولفهم ابن الزبعرى كونها لمن يعقل ، وهو من فصحائهم ، ولأ نّها لو اختصّت بمن لا يعقل لما نزلت الآية الأُخرى ، ولاستغنائها عن التقييد بقوله :
« مِنْ دُونِ اللَّهِ »
« 6 » .
وأُجيب بالدلالة على الاستعمال في مَن يعقل لا على الحقيقة . وعن الثاني بأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قال له : « ما أجهلك بلغة قومك ، أما علمت أنّ « ما » لمن لا يعقل ؟ » « 7 » .
هامش
( 1 ) . إشارة إلى الآية 67 من البقرة ( 2 ) .
( 2 ) . تفسير القرآن العظيم ، ج 1 ، ص 109 ، ذيل الآية 67 من البقرة ( 2 ) .
( 3 ) . الشمس ( 91 ) : 5 .
( 4 ) . الكافرون ( 109 ) : 3 .
( 5 ) . الليل ( 92 ) : 3 .
( 6 ) . المائدة ( 5 ) : 76 .
( 7 ) . الإحكام في أُصول الأحكام ، ج 3 ، ص 35 ؛ نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 2 ، ص 467 .