به في نفي الذات ؛ لتحقّقها ، فوجب العمل به في الباقي .
لا يقال : اللفظ ليس دالّاً على نفي الصفات بالمطابقة ، بل بالالتزام ، وهي تابعة للمطابقة ، أعني دلالة اللفظ على نفي الذات ، فإذا انتفت وجب انتفاء دلالة الالتزام ؛ لاستحالة بقاء التابع عند ارتفاع متبوعه .
لأنّا نقول : إنّ اللفظ بعد استقرار الدلالة وتحقّق الوضع يصير بالنسبة إلى معانيه المطابقيّة والالتزاميّة كالعامّ بالنسبة إلى أفراده ، فإذا قام الدليل على انتفاء إرادة المعنى المطابقي بقي معمولًا به في المعاني الالتزاميّة ؛ لعدم المعارض .
قال المصنّف :
العموم إنّما حصل باعتبار الدلالتين معاً ، فإذا عدمت المطابقة التي هي الأصل وجب عدم الأُخرى . بل الحقّ أنّ الدلالة الأصليّة باقية وإن انتفى الحكم « 1 » .
احتجّ أبو عبد الله « 2 » والقاضي أبو بكر بأنّ الصلاة والعمل مثلًا موجودان ، فامتنع صرف المنفيّ إليهما ، ووجب صرفه إلى حكم من أحكامهما ، وليس بعض الأحكام أولى من البعض الآخر ، فإمّا أن يحمل اللفظ على الجميع ، فيلزم زيادة الإضمار بلا ضرورة وهو خلاف الأصل . فتعيّن إضمار بعض غير معيّن ، وهو معنى الإجمال « 3 » .
والجواب : المنع من وجود ما له مسمّى شرعي ، كالصلاة والصيام عند عدم قراءة الفاتحة وتبييت النيّة ؛ لأنّهما يصدقان على الصحيح منهما ، وما ليس له مسمّى شرعي ، كالعمل المتحقّق ، فلا نسلّم أنّه لا أولويّة لبعض ما يمكن إضماره على البعض الآخر ؛ فإنّ إضمار أعمّ الأحكام - كالصحّة مثلًا - أولى ؛ لكونها أشبه بالحقيقة من الوجه الذي ذكرناه ، فيحمل لفظ الحقيقة عليها مجازاً .
واعلم أنّه قد يرد النفي للنهي عن الفعل المنفيّ ، مثل قوله تعالى :
« فَلا رَفَثَ وَلا
هامش
( 1 ) . نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 2 ، ص 414 .
( 2 ) . حكاه أبو الحسين البصري في المعتمد ، ج 1 ، ص 309 ؛ والرازي في المحصول ، ج 3 ، ص 166 ؛ والآمدي فيالإحكام في أُصول الأحكام ، ج 3 ، ص 17 ؛ والعلّامة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 2 ، ص 410 - 411 .
( 3 ) . حكاه عنه العلّامة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 2 ، ص 410 ؛ وج 3 ، ص 17 .