عند إطلاق اللفظ دليل على كونه حقيقة فيه على ما تقدّم ، وإن كان مجازاً بحسب الوضع اللغوي ، لكنّه بالنظر إلى العرف الطارئ حقيقة ، سلّمنا لكنّه مجاز راجح على غيره من المجازات ، وقد تعذّر حمل اللفظ على حقيقته ، فتعيّن حمله على التقديرين .
قالوا : الأعيان غير مقدورة لا عدماً ؛ لاستحالة الاختراع ، ولا وجوداً ؛ لاستحالة تحصيل الحاصل ، فلا يتعلّق التحليل والتحريم بهما ؛ لأنّهما من عوارض أفعال المكلّف ، فلا بدّ من إضمار يصحّ تعلّقهما به من الأفعال ؛ لئلّا يلغو الخطاب ، فإمّا أن يضمر جميع ما يمكن إضماره منها أو بعضها . والأوّل باطل ؛ لأصالة عدم الإضمار الموجب لتقدّره بما يدفع الضرورة ، فتعيّن الثاني ، وليس إضمار بعض منها أولى من غيره ، فيجب إضمار بعض غير معيّن فيتحقّق الإجمال .
والجواب : المنع من الاحتياج إلى الإضمار ؛ فإنّه إنّما يتحقّق إذا لم يكن اللفظ ظاهراً بحسب العرف في الفعل المقصود غالباً من تلك العين ، وليس كذلك ، فإنّ كلّ واحد مارس الألفاظ العربيّة يتبادر إلى فهمه عند قول القائل : « أحللت لك المذكّى » ، و « حرّمت عليك الميتة » تحليل الأكل وتحريمه .
سلّمنا لكن لا نسلّم بطلان إضمار الجميع ، وكونه موجباً لزيادة الإضمار المخالف للأصل معارَض بما أنّ إضمار البعض مفضٍ إلى الإجمال الموجب لتعطيل اللفظ ، ولأنّ العمل به موجب ليقين البراءة والخروج عن العهدة .
سلّمنا لكن نمنع عدم أولويّة إضمار بعض معيّن ، فإنّ إضمار المنفعة المقصودة من العين غالباً - كالاستمتاع من النساء والأكل من البهيمة - أولى ؛ لكونه مفهوماً عند إطلاق اللفظ دون غيره ممّا يمكن إضماره .
الثالثة : المحقّقون على عدم إجمال « إمسحوا » لأنّ الباء إمّا للتبعيض ، كقول الإماميّة وبعض الشافعيّة « 1 » أو للإلصاق ، كقول أكثر الأُدباء ، ولا إجمال فيها .
أمّا الأوّل ؛ فلصدق البعض على كلّ من الأبعاض بالتواطؤ ، فيتخيّر المكلّف
هامش
( 1 ) . حكاه عنه العلّامة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 2 ، ص 408 .