فإذن الأمر بالشيء دالّ على المنع من تركه بالتضمّن ، ولأنّ تحصيل الواجب أعني المأمور به إنّما يتمّ بترك ضدّه ، وما لا يتمّ الواجب إلّابه فهو واجب ، ولا نعني بالنهي عن الضدّ ، إلّاوجوب تركه « 1 » .
احتجّ المخالف من الأشاعرة بأنّ التكليف بالمحال جائز ، فيجوز أن يأمر الشارع بالشيء وضدّه معاً ، وحينئذٍ لا يكون الضدّ منهيّاً عنه ، فبطل الاستلزام .
واحتجّ المرتضى « 2 » وبعض متأخّري الأشاعرة بأنّ الآمر بالشيء قد يكون غافلًا عن ضدّه ، وحينئذٍ لا يكون يتحقّق نهيه ؛ لاستدعاء النهي عن الشيء كونه متصوّراً للناهي « 3 » .
وأُجيب بمنع جواز التكليف بالمحال ، ومن بطلان الاستلزام على تقديره ، وما ذكروه من جواز الأمر بالشيء وضدّه معاً لا يدلّ على انتفاء الاستلزام المدّعى .
نعم ، يدلّ على كون كلّ من الشيء وضدّه مأموراً به مطابقةً منهيّاً عنه تضمّناً ، وليس ذلك محالًا على التقدير . وعن الثاني المنع من جواز غفلة الآمر بالشيء عن ضدّه العامّ الذي هو الترك ؛ لما تقدّم من كون الأمر بالشيء دالّاً على وجوبه ، وهو عبارة عن الإذن في فعله والمنع من تركه ، فالمتصوّر للإيجاب متصوّر للمنع من الترك حتماً ، فيكون متصوّراً للترك قطعاً . وأمّا الأضداد الوجوديّة المنافية للمأمور به ، كالقيام بالنسبة إلى القعود ، والحركة يمنةً بالنسبة إليها يسرةً فقد يغفل الآمر عنها حالة الأمر بضدّها ، لكنّ ذلك لا ينافي المأمور به ؛ لماهيّته ، بل لكونه مستلزماً لعدمه ، فالمنافاة الذاتيّة ليست إلّابين وجود المأمور به وبين عدمه ، أمّا بينه وبين أضداد الوجوديّة فهي عرضيّة ، فالأمر به مستلزم للنهي عنها بالعرض ؛ لاشتمالها على الضدّ .
واعلم أنّ بعض الأشاعرة يذهب إلى أنّ الأمر بالشيء هو نفس النهي عن ضدّه « 4 » ،
هامش
( 1 ) . ولاحتجاج المصنّف راجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 1 ، ص 530 .
( 2 ) . راجع الذريعة إلى أُصول الشريعة ، ج 1 ، ص 86 .
( 3 ) . كالغزالي في المستصفى ، ج 1 ، ص 155 ؛ وابن الحاجب في شرح مختصر المنتهى ، ج 2 ، ص 85 .
( 4 ) . منهم القاضي أبو بكر الباقلاني نقله عنه الغزالي في المستصفى ، ج 1 ، ص 154 ؛ والعلّامة في نهاية الوصولإلى علم الأُصول ، ج 1 ، ص 528 .