[ البحث الثالث في جواز الإجماع بعد الخلاف ]
قال :
البحث الثالث : يجوز الإجماع بعد الخلاف ، وهو كثير ، كاتّفاق التابعين على منع بيع أُمّهات الأولاد بعد اختلاف الصحابة فيه ، والإجماع على تسويغ الأخذ بأيّ القولين شاء مع الاجتهاد مشروط بعدم الاتّفاق على أحدهما مع منعه ، وإذا أجمع أهل العصر الثاني على أحد قولي أهل العصر الأوّل كان إجماعاً .
واحتجاج أكثر الحنفيّة والشافعيّة وجماعة من المتكلّمين بقوله تعالى :
« فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ »
، وبتدافع الإجماعين ، وبالمعارضة بالموت ، ولأ نّه إن كان لدليل لم يخف على الصحابة ، ولأنّ الإجماع يستلزم القطع - وهو قول ثالث - باطل ؛ لعدم التنازع ، ولأنّ العمل بالإجماع ردّ إلى الله تعالى ورسوله ، والإجماع على تسويغ الأخذ بأيّ القولين مشروط بعدم الاتّفاق ، وهو يقدح في الإجماع مطلقاً .
والحقّ في الجواب : المنع من الإجماع على التخيير ؛ فإنّ كلّ طائفة تعتقد أنّ الحقّ في قولها ، والموت ليس حجّة بل هو كاشف عن كون قول الأُخرى حجّة ؛ لأنّهم كلّ الأُمّة ، ولا يلزم انقلاب الخطأ حقّاً ؛ لمنع فرض موت المصيبين قبل المصير إلى قولهم من الأحياء ، ويجوز خفاء الدليل عن بعضهم .
والقول الثالث هنا جائز ؛ لأنّ الإجماع على أحد القولين لا بعينه مشروط بعدم الاتّفاق . [ تهذيب الوصول ، ص 206 - 207 ]
أقول : هنا مسألتان :
الأُولى : إذا اختلفت الأُمّة على قولين ، فهل يجوز اتّفاقهم على أحدهما ؟
الأكثرون على جوازه ، ومنعه الصيرفي « 1 » . وهو ظاهر عندنا ؛ لوجوب الرجوع إلى المعصوم ، ولهم وقوعه في اختلافهم في مدفن النبيّ صلى الله عليه وآله ثمّ اتّفقوا على قول
هامش
( 1 ) . نقله عنه الرازي في المحصول ، ج 4 ، ص 135 ؛ والسبكي في الإبهاج في شرح المنهاج ، ج 2 ، ص 419 .