وردّ بأنّ امتناع الاتّفاق في ذلك إنّما هو لتساوي الاحتمالين فيه ، وهو مفقود فيما نحن فيه ؛ لتحقّق الرجحان المستند إلى دليل الحكم ؛ والاتّفاق على مثل ذلك غير ممتنع ، كاتّفاق الخلق العظيم على نبوّة محمّد عليه السلام « 1 » .
وآخرون سلّموا إمكان وقوعه ، ومنعوا من العلم به ؛ لعدم الطريق إليه ؛ إذ ليس معلوماً بالوجدان ، كعلمنا بلذّاتنا وآلامنا ، ولا بالحسّ وهو ظاهر ، ولا بالنظر العقلي ؛ للقطع بانتفاء طريق عقلي يعلم به أنّ فلاناً أفتى بكذا ، فلم يبقَ إلّاالخبر وهو محال ؛ لتوقّفه على معرفة المجتهد ليخبر عن نفسه ، ومعرفة كلّ واحد من المجتهدين المنتشرين شرقاً وغرباً في الوقت الواحد متعذّر ، وبتعذّر حصوله جاز أن يكتم بعضهم مذهبه ، ويبدي خلافه تقيّةً أو خوفاً « 2 » .
ومن هنا قال فخر الدين :
الإنصاف يقتضي أنّه لا طريق إلى معرفة حصول الإجماع إلّافي زمن الصحابة ؛ حيث كان المؤمنون قليلين لا يتعذّر معرفتهم بالتفصيل « 3 » .
ويشكل بأنّ ذلك يدفع الامتناع الناشئ من الجهل بالمجتهدين ، ولا يدفع الامتناع الناشئ من الجهل بمذاهبهم للاحتمال المذكور .
وأمّا الثالث - وهو كونه حجّة - : فعليه الأكثر خلافاً للخوارج « 4 » والنظّام « 5 » .
أمّا على رأي أصحابنا الإماميّة فظاهر ؛ لأنّ المعصوم موجود في كلّ زمان التكليف عندهم وهو سيّد الأُمّة ، فقوله لا بدّ من اعتباره في تحقّق الإجماع فيكون حقّاً ، لا باعتبار انضمام أقوال غيره إلى قوله ، بل قوله وحده حجّة ، سواء وافقه الباقون أو خالفوه ، وأمّا الجمهور فقد احتجّوا عليه بوجوه :
الأوّل : قوله تعالى :
« وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ
هامش
( 1 ) . راجع المحصول ، ج 4 ، ص 21 - 22 ؛ ونهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 3 ، ص 128 .
( 2 ) . نقله عن جماعة من الناس الرازي في المحصول ، ج 4 ، ص 22 ؛ والعلّامة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 3 ، ص 128 .
( 3 ) . المحصول ، ج 4 ، ص 34 - 35 .
( 4 و 5 ) . حكاه عنهم الرازي في المحصول ، ج 3 ، ص 35 ؛ والآمدي في الإحكام في أُصول الأحكام ، ج 1 ، ص 170 ؛ والعلّامة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 3 ، ص 131 .