العدوان بالجارح في الأصل ، أعني القتل بالمحدّد ونحوه .
وقد اختلف الجدليّون في قبوله ، فمنهم من ردّه ؛ بناءً منه على أنّه لا يمتنع تعليل الحكم الواحد بعلّتين « 1 » ، كما سبق البحث فيه ؛ ولهذا فإنّا لو قدّرنا انفراد ما ذكره المستدلّ مجرّداً عن المعارض صحّ كونه علّةً إجماعاً ، وإنّما صحّ التعليل به لكونه صالحاً لذلك في نفسه ، لا لعدم المعارض ؛ لأنّ العدم لا يجوز كونه علّةً ، ولا جزءاً منها ؛ لما تقدّم . وإذا صحّ التعليل به مع عدم المعارض صحّ التعليل به مع وجوده ، ولأ نّه لا معنى للعلّة إلّاما ثبت الحكم عقيبها مع المناسبة ، وهو موجود في كلّ واحد من الوصفين ، فكان كلّ واحدٍ منهما علّةً .
ومنهم من قَبِلَه وأوجب على المستدلّ القيام بالجواب عنه ، وهو اختيار جماعة من المتأخّرين ؛ لأنّه لمّا وجد في الأصل وصفان - أعني الوصف الذي ذكره المستدلّ والوصف الذي ذكره المعترض - فإمّا أن يكون كلّ واحد منهما علّةً مستقلّةً للحكم أو لا . والأوّل باطل ؛ لما تقدّم من امتناع تعليل الحكم الواحد بعلّتين مستقلّتين .
والثاني : إمّا أن يكون العلّة في الوصف الذي ذكره المستدلّ وحده ، أو الذي ذكره المعترض وحده ، أو هما جميعاً ، بحيث يكون كلّ منهما جزءاً من العلّة .
والأوّلان باطلان ؛ لأنّه ترجيح من غير مرجّح ، فتعيّن الثالث ، وحينئذٍ نمنع تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع إذا لم يجتمع فيه الوصفان ، وبتقدير تساوي الاحتمالات الثلاثة نمنع التعدّي على تقديرين منهما ، وهما كون العلّة المجموع منهما ، وكونهما الوصف الذي ذكره المعترض ، وإمكان التعدية على تقدير واحد ، وهو كون العلّة وصف المستدلّ ، فيكون عدم التعدية أرجح ؛ لأنّ وقوع احتمال من احتمالين أغلب من وقوع احتمال واحد بعينه « 2 » .
هامش
( 1 ) . حكاه عنهم الآمدي في الإحكام في أُصول الأحكام ، ج 4 ، ص 341 ؛ والعلّامة في نهاية الوصول إلى علمالأُصول ، ج 4 ، ص 339 .
( 2 ) . نقله عنهم الآمدي في الإحكام في أُصول الأحكام ، ج 4 ، ص 341 - 342 ؛ والعلّامة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 4 ، ص 339 - 340 .