الجزئيّات جزئيّاً بعد آخر ، فإذا وجدها متّفقة في الحكم حكم على الكلّي الشامل لها بذلك الحكم .
مثال ذلك : إنّا إذا رأينا إنساناً يحرّك فكّه الأسفل عند المضغ ، والفرس والأسد والجمل [ كذلك ] ؛ حكمنا بأنّ كلّ حيوان يحرّك فكّه الأسفل ، فقد اشتمل المطلوب - وهو قولنا : « كلّ حيوان يحرّك فكّه الأسفل عند المضغ » - على دليله وهو قولنا :
« الإنسان والجمل والفرس يحرّك » ولا يفيد اليقين ؛ لجواز كون بعض جزئيّات ذلك الكلّ مخالفاً للمذكورات كما قالوا في التمساح : إنّه يحرّك فكّه الأعلى عند المضغ لا غير .
هذا إذا لم يكن الاستقراء حاصراً للجزئيّات ، أمّا لو حصر أفاد اليقين مثل « كلّ عدد إمّا زوج وإمّا فرد ، وكلّ زوج بعده الواحد وكلّ فرد بعده الواحد » فإنّه يلزم منه كلّ عدد بعده الواحد يقيناً .
وإن كان بالعكس بأنْ كان الدليل مشتملًا على المطلوب فهو القياس في عرف أهل النظر ، وعرّف بأ نّه قول مؤلّف من أقوال إذا سلّمت لزم عنها لذاتها قول آخر .
وإن اشتمل الدليل والمطلوب معاً أمر ثالث فهو علّة في ثبوت ذلك الحكم المشترك بينهما فهو التمثيل ، وهو الذي يسمّيه الفقهاء قياساً وقد سبق البحث فيه وفي أحكامه ، وهو في الحقيقة مركّب من الاستقراء والقياس ؛ لأنّا إذا أثبتنا علّيّة الوصف المعيّن للحكم ، كالإسكار للتحريم باعتبار وجوده في الأصل ، كالخمر لزم منه صدق قولنا : « كلّ مسكرٍ حرام » ، فيتألّف قياس اقتراني هكذا : « النبيذ مسكر ، وكلّ مسكر حرام » ، ينتج : « النبيذ حرام » . والصغرى يقينيّة ، والكبرى معلومة بالاستقراء لكن لم يوجد إلّاجزئي واحد . هكذا قيل .
ويشكل بأ نّا نمنع استفادة صدق الكبرى من الاستقراء ، فإنّه قد تقدّم أنّه لا يكفي وجود الوصف مع الحكم في كونه علّةً له ما لم ينضمّ إليه معنى آخر من نصّ أو مناسبة أو اعتبار أو غير ذلك . والاستقراء ليس كذلك بل يكفي فيه مجرّد
جامع البين من فوائد الشرحين ( موسوعة الشهيد الأول ج 16 و 17 ) — صفحة 350
مساهمون: الشهيد الأول
ص٣٥٠