ويقضون بحسنه وإن ذهلوا عن كونه عالماً أو ظانّاً بحسن الفعل المأمور به ، بل وإن علموا ذهوله عن حسنه ؟ !
وأُورد أيضاً أنّ المميّز موجود ، وهو قوله : « قد علمنا أنّك لا تختار إلّا الحسن » .
أُجيب بأنّ العلم بالحسن شرط التكليف والشرط متقدّم ، وما ذكرتموه يقتضي تأخّره ؛ لأنّه لا يعلم كونه حسناً إلّابعد الفعل ، ويستحيل كون الواحد من جِهة واحدة متقدّماً ومتأخّراً .
واعترضه المصنّف بأنّ وجوب تقدّم العلم أو الظنّ بحسن الفعل إنّما يثبت على تقدير تجويز وقوع القبيح إمّا على تقدير عدمه ، وهو هنا منتفٍ « 1 » .
الرابع : لو جاز ذلك في حقّ العالم لجاز في حقّ العامّي ، وهو باطل إجماعاً .
ويشكل بمنع الملازمة « 2 » .
احتجّوا « 3 » بأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قال يوم فتح مكّة : « إنّ الله حرّم مكّة يوم خلق السماوات والأرض لا يختلى خلاها ، ولا يعضد شجرها » ، فقال العبّاس : يا رسول الله ، إلّاالإذخر ؟ فقال عليه السلام : « إلّاالإذْخِر » « 4 » . فهذا الاستثناء ليس بالوحي بل بمجرّد مشيّته عليه السلام ، ولأ نّه عليه السلام لمّا قتل النضر بن الحارث جاءته ابنته وأنشدت الأبيات المشهورة ، فقال عليه السلام : « لو كنت سمعتها ما قتلته » « 5 » . فدلّ على [ أنّ ] قتله ليس بالوحي بل بمجرّد رأيه ، وإلّا لما كان يسوغ له ترك قتله ؛ ولأنّ الأقرع قال : يا رسول الله ، أكُلَّ عامٍ ؟ لمّا قال : « كُتب عليكم الحجّ » ،
هامش
( 1 ) . نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 5 ، ص 230 .
( 2 ) . ذكر هذه الوجوه الأربعة بالتفصيل الرازي في المحصول ، ج 6 ، ص 137 - 140 .
( 3 ) . أي المثبتون .
( 4 ) . الكافي ، ج 4 ، ص 225 - 226 ، باب أنّ الله عزّ وجلّ حرّم مكّة . . . ، ح 3 ؛ الفقيه ، ج 2 ، ص 246 ، ح 2318 ؛ مسند أحمد ، ج 1 ، ص 439 ، ح 2349 ؛ سنن ابن ماجة ، ج 2 ، ص 1038 ، ح 3109 ؛ سنن النسائي ، ج 5 ، ص 210 ، ح 2871 ؛ السنن الكبرى ، البيهقي ، ج 5 ، ص 318 - 319 ، ح 9944 . مع اختلاف يسير في المصادر .
( 5 ) . الاستيعاب ، ج 4 ، ص 457 - 458 ، الرقم 3504 ؛ ونقله أيضاً الرازي في المحصول ، ج 6 ، ص 144 ؛ والعلّامةفي نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 5 ، ص 233 .