واحتجّوا عليه بوجوه :
الأوّل : أنّه موجب لسقوط التكليف ، فإنّ الشارع إذا قال للمكلّف : « إن اخترت الأمر الفلاني فافعله ، وإن لم تختره فلا تفعله » كان ذلك عين الإباحة ، فلا يكون تكليفاً .
ويشكل بالمنع من إيجابه سقوط التكليف عنه . كيف ، وهو مأمور بالحكم بأحد ذينك الطرفين وملزم « 1 » بذلك الحكم ، ومؤاخذ على تركه .
سلّمنا ، لكن لا يلزم من سقوط التكليف بذلك سقوط سائر التكاليف عنه ، اللّهمّ إلّا أن يقال : المراد بذلك تفويض الحكم إليه في كلّ أمر حتّى في إسقاط التكليف عنه بما دلّ عليه النصّ أو لم « 2 » يدلّ لكن ذلك ممّا لم يقل به أحد .
الثاني : أنّ المكلّف لا ينفكّ من أحد النقيضين - أعني الفعل والترك - ويستحيل تكليف الإنسان بما يستحيل انفكاكه عنه ؛ لكونه تحصيلًا للحاصل ، وليس ذلك كالتكليف بخصال الكفّارة المخيّرة ؛ لأنّ المكلّف يمكنه الانفكاك عنها أجمع .
وفيه نظر ؛ فإنّ التكليف إنّما هو الحكم بتعيّن أحد الطرفين ، وذلك ممّا ينفكّ عنه المكلّف ، وليس حاصلًا حتّى يكون قيامه تحصيلًا للحاصل .
الثالث : القصد إلى الفعل إنّما يحسن إذا علم المكلّف أو ظنّ كونه حسناً ، وذلك يوجب تمييز الحسن عن القبيح قبل الإقدام على الفعل بأمارة أو دلالة تقتضي ذلك ، فعلى تقدير عدمها يكون مكلّفاً بما لا يطاق .
ويشكل بالمنع من كون حسن القصد إلى الفعل مشروطاً بعلم كون ذلك الفعل حسناً أو ظنّه ؛ فإنّ كثيراً من الأفعال الصادرة عن المكلّف يستحسنها العقلاء مع عدم شعورهم بعلم الفاعل بحسنها ، بل ومع علمهم بعدم شعوره بذلك . ألا ترى إلى العبد إذا أمره سيّده بفعلٍ حسن فامتثل ، فإنّ العقلاء يمدحونه على الامتثال ،
هامش
( 1 ) . في النسخ : « ملزوم » . وما أثبتناه لإصلاح العبارة .
( 2 ) . كلمة « لم » لم ترد في « ن » .