واختار المصنّف الأوّل لوجوه :
الأوّل : العلم بوجود الشيء الممكن بقاؤه في الحال يقتضي ظنّ وجوده في الاستقبال ، وكذا العلم بعدم الشيء ، والعمل بالظنّ واجب ، ولا معنى لكونه حجّةً إلّا هذا القدر . أمّا الأوّل فمعلوم لكلّ أحد بالوجدان ، ولا يزال العقل يقضي بذلك من غير ارتياب في أكثر الوقائع إذا لم يحصل له معارض ، وعلى ذلك مبنى أكثر مقاصد العقلاء في أُمور معاشهم ، كالتجّار الذين يجوبون القفار ، ويتحمّلون الأخطار والمشاقّ بقطع المسافات البعيدة المعهودة فيها بعض الأمتعة المطلوبة لهم ، كسفرهم إلى بلاد الهند لطلب الأدوية الحارّة ، وسفر أهل البحر إلى البصرة طلباً للتمر ، وما ذاك إلّالعهدهم وجود الأمتعة المذكورة في تلك المواضع والعلم به ضروري .
واحتجّ بعضهم بأنّ الباقي مستغنٍ عن المؤثّر ، والحادث مفتقر إليه ، فيكون ارتفاع الواقع وجوداً كان أو عدماً مرجوحاً على استمراره ؛ لأنّ الباقي لا يتوقّف إلّا على وجود الزمان المستقبل ، ومقارنة الباقي له « 1 » ، وأمّا التغيير بزوال الحال الأوّل فيتوقّف على وجود الزمان المستقبل ، وتبديل الوجود بالعدم أو بالعكس ، ومقارنته للوجود أو للعدم بذلك الزمان ، ووجود ما يتوقّف على شيئين أغلب على الظنّ من وجود ما يتوقّف عليهما وعلى ثالث . وأمّا الثاني فظاهر .
وهذا الدليل لا حاجة إليه في إثبات المطلوب المذكور ؛ لكونه أجلى من هذه الأدلّة ومقدّماتها ؛ لأنّه مركوز في العقول وإن عقلوه عن هذه القضايا .
الثاني : أكثر الأحكام الشرعيّة مبنيّة على الاستصحاب ؛ لأنّ الدليل إنّما يجب العمل به إذا لم يطرأ عليه ما يزيل حكمه ، إمّا مطلقاً ، كالناسخ ، أو بعض مدلولاته ، كالتخصيص للعامّ أو التقييد للمطلق أو معارضة دليل راجح عليه . ولا وسيلة إلى
هامش
( 1 ) . راجع المحصول ، ج 6 ، ص 109 - 110 .