شرائط التقليد فيه ؛ إذ لو جاز الحكم بترجيح بعض العلماء على بعض من غير طريق يوجب ذلك لجاز له الحكم في الواقعة ابتداءً بما اتّفق ، وهو باطل إجماعاً .
وتقرير الجواب : أنّه يعلم الأعلم بالتواتر ، وإذعان المفضول له وانقياده إليه ، وإجماع الخلق على قبوله ، فإن عنى بالاجتهاد ذلك فمسلّم ونحن نوجب ذلك ، وإن عنى العلم فهو ممنوع .
ولا يجوز للعالم الذي لم يبلغ رتبة الاجتهاد والإفتاء بقول مجتهد آخر ، سواء كان ذلك المفتيّ حيّاً أو ميّتاً من غير أن يحكي عنه ، وهو قول أبي الحسين البصري « 1 » . وجوّزه آخرون .
لنا : لو جاز الإفتاء له لجاز للعامّي .
احتجّوا بأنّ المفتيّ المقلّد ناقل عمّن قلّده . فيقبل ، كالأحاديث المنقولة عن الرسول عليه السلام .
وأُجيب بأ نّه ليس المتنازع ؛ إذ لا نزاع في جواز النقل عن غيره من المجتهدين للاتّفاق عليه ، وإنّما النزاع في جواز الإفتاء تعويلًا على قول الغير .
ولنا أيضاً : أنّ في ذلك تلبيساً ؛ إذ العالم إنّما يُسأل عمّا عنده وما استفاده باجتهاده ، لا عمّا قلّد فيه غيره .
أمّا لو كان يحكي عن المجتهد فإن كان حيّاً وسمعه منه مشافهةً أو نقله إليه ثقة أو كتب إليه به كتاباً يأمن فيه الغلط والتزوير عمل عليه ، وإلّا فلا ، وقد تقدّم ذلك .
ولا يجوز للعامّي تقليد المفضول مع وجود الأفضل ؛ لأنّ ظنّ إصابة المفضول أضعف ، ومع معارضة اجتهاد الأفضل الغالب على الظنّ إصابته يرتفع ظنّ إصابة المفضول ، ويظهر ظنّ خطئه فلا يجوز تقليده .
وإذا قلّد العامّي أحد المجتهدين المتساويين في ظنّه في حكم حادثة ، وعمل على فتواه فيها لم يجز له الرجوع عنه في ذلك الحكم إلى غيره إجماعاً .
هامش
( 1 ) . راجع المعتمد ، ج 2 ، ص 359 ، وأيضاً حكاه عنه الآمدي في الإحكام في أُصول الأحكام ، ج 4 ، ص 457 ؛ والعلّامة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 5 ، ص 248 .