وقال القاضي أبو بكر « 1 » وجماعة من الفقهاء : لا يجب عليه الاجتهاد بل يتخيّر حينئذٍ في تقليد من شاء منهم ؛ لأنّ العلماء في كلّ عصر لم ينكروا على العوامّ ترك النظر في أحوال العلماء ، وتفاوت المجتهدين في العلم والورع . وهذا ممنوع « 2 » .
وإذا نظر فغلب على ظنّه المساواة تخيّر في تقليد من شاء منهم ؛ لأنّ ذلك يجري مجرى الأمارتين المتعارضتين عند تساويهما .
ومنع قوم من جواز وقوع هذا الفرض ، كما منعوا من استواء طرفي الحلّ والحرمة في شيء واحد « 3 » ، وقد تقدّم البحث في ذلك .
وإن ظنّ رجحان أحدهم على الباقين فإمّا مطلقاً - أي في صفتي العلم والورع - فتعيّن الاستفتاء . وكذا إن ترجّح على غيره في إحدى الصفتين مع مساواته له في الأُخرى ، ويكون ذلك كرجحان إحدى الأمارتين على الأُخرى في تعيّن العمل عليها .
وأمّا إذا ترجّح في إحدى الصفتين المذكورتين وترجّح غيره عليه في الأُخرى ، فإن كان أحدهما أرجح في العلم والآخر أرجح في الورع ، قال قوم : رجّح الأعلم ؛ لاستفادة الحكم من علمه لا من ورعه « 4 » . وقال آخرون بالعكس ؛ لقوّة الظنّ بصدق الأشدّ ورعاً في إخباره من غيره وإن كان الغير أغزر علماً .
وطريق علم العامّي بالأعلم والأزهد أو غلبة ظنّه بذلك التسامع من الناس والقرائن المفيدة للعلم أو الظنّ به ، لا بالبحث عن نفس العلم ؛ إذ ليس على العامّي ذلك ؛ لكونه متعذّراً عليه ما دام عامّيّاً .
وفي قوله : « ويعلم الأعلم . . . » إلى آخره إيماء إلى سؤال ، تقريره : أنّ العامّي لو وجب عليه الترجيح ربما قدّم المفضول على الفاضل ؛ لإمكان أن يحصل له اغترار بظهور الظواهر الحاليّة ، فيجب عليه الاجتهاد في مقلَّده ، والبحث عن اجتماع
هامش
( 1 و 2 ) . حكاه عنهم الآمدي في الإحكام في أُصول الأحكام ، ج 4 ، ص 458 ؛ والعلّامة في نهاية الوصول إلى علمالأُصول ، ج 5 ، ص 264 .
( 3 ) . نقله العلّامة بقوله : « وقيل بعدم جواز وقوعه . . . » في نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 5 ، ص 264 .
( 4 ) . منهم الرازي في المحصول ، ج 6 ، ص 82 ؛ والعلّامة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 5 ، ص 265 .