أقول : الاتّفاق واقع على أنّه لا يجوز للعامّي استفتاء من اتّفق ؛ لأنّ احتمال العامّيّة قائم فيه ، بل هو أرجح من حيث أصالة عدم العلم وكون العامّيّة أغلب على أشخاص الناس .
ولا يشترط علم المستفتيّ بصحّة اجتهاد المجتهد ؛ إذ لا وسيلة له إلى ذلك إلّا بعد كونه مجتهداً ، وحينئذٍ يحرم عليه الاستفتاء ، ولقوله تعالى :
« فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ »
« 1 » أوجب الله تعالى سؤال أهل الذكر عند عدم العلم مطلقاً من غير تقييد بالعلم بكون اجتهادهم حقّاً ؛ بل الواجب على المستفتيّ استفتاء من يغلب على ظنّه اجتماع العلم والورع فيه ، ولا يجب عليه الاجتهاد البالغ في معرفة المجتهد المتورّع بل يكفيه البناء على الظاهر ، وذلك بأن يراه منتصباً للفتوى بمشهد من الخلق ويرى اجتماع الناس عليه والعمل بفتواه والانقياد إلى قوله والعمل بمقتضاه ، وإقبال المسلمين على سؤاله ، واسترشاده وتعظيمه وإكرامه .
ولا يجوز للعامّي تقليد من يظنّه خالياً من العلم والدين ؛ وذلك لأنّ نظر العامّي في ذلك بمنزلة نظر المجتهد في الأمارات ، فكما أنّه لا يجوز له العمل بالأمارة مع عدم اعتقاد مقتضاها لقيام معارض لها أو لغير ذلك ، كذا لا يجوز للمقلّد أن يقلّد من لا يعتقد كونه مجتهداً ، ثمّ المجتهد إن اتّحد تعيّن على العامّي تقليده ، وإن تعدّد فإن اتّفقوا على الحكم وجب عليه المصير إليه ، وإن اختلفوا فيه وجب عليه الاجتهاد في معرفة الأعلم والأورع منهم ؛ لأنّ ذلك طريق إلى قوّة ظنّه فجرى مجرى قوّة ظنّ المجتهد عند تعارض الأمارات ، وهو مذهب بعض الأُصوليّين « 2 » والفقهاء ، كأحمد 3 وابن سريج 4 والقفّال 5 .
هامش
( 1 ) . النحل ( 16 ) : 43 .
( 2 ) - 5 . نقله عنهم الآمدي في الإحكام في أُصول الأحكام ، ج 4 ، ص 457 ؛ والعلّامة في نهاية الوصول إلى علمالأُصول ، ج 5 ، ص 264 .