الثانية : في أنّه لا يجوز التقليد في مسائل الأُصول - كوجود الباري تعالى ، وقدرته وعلمه وإرادته ، وإرساله الرسل ، وتعيين النبيّ صلى الله عليه وآله ، وإثبات صدقه - وهو مذهب المحقّقين ، سواء كان المقلّد مجتهداً أو غير مجتهد ، خلافاً لعبيد الله بن الحسن العنبري « 1 » والحشويّة « 2 » والتعليميّة « 3 » ، جوّزوا التقليد فيه بل ربما أوجبه قوم « 4 » ، والمختار الأوّل .
لنا : أنّ تحصيل العلم بأُصول الدين واجب على النبيّ صلى الله عليه وآله فيجب علينا .
أمّا الأوّل ؛ فلقوله تعالى :
« فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ »
« 5 » .
وأمّا الثاني ؛ فلما مرّ من وجوب التأسّي ، ولوقوع الإجماع على تحريم تقليد غير المحقّ لما لا يؤمن من ارتكابه الخطأ ، وإنّما يعلم المحقّ من غيره بالنظر والاستدلال ، وإذا صار مستدلّاً امتنع كونه مقلّداً .
ويشكل بأ نّه لا يلزم من كونه مجتهداً في معرفة الحقّ امتناع كونه مقلّداً في غير ذلك من المطالب الأُصوليّة .
للمجوّزين أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله لم يكلّف الأعرابي الجاهل بأكثر من الشهادتين ، وكان يحكم حينئذٍ بإيمانه وما ذلك إلّاللاكتفاء بالتقليد في الأُصول .
والجواب : أنّه لو سلّم اكتفاؤه منه بذلك فإنّما كان لعلمه منه عليه السلام بأنّ الأعرابي عالم بتلك الأُصول من نفسه وإن لم يمكنه التعبير عنها وعن الشبهات الواردة عليها ، أو أنّه قبل منه ذلك للتمرّس ثمّ يبيّن له بعد ذلك .
على أنّا نمنع الاكتفاء بالشهادتين كيف والأمر بالنظر عامّ في قوله تعالى :
« قُلِ انْظُرُوا »
« 6 »
« أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ »
« 7 » .
هامش
( 1 و 2 و 3 و 4 ) . حكاه عنهم الآمدي في الإحكام في أُصول الأحكام ، ج 4 ، ص 446 ؛ والعلّامة في نهاية الوصول إلى علمالأُصول ، ج 5 ، ص 267 .
( 5 ) . محمّد ( 47 ) : 19 .
( 6 ) . يونس ( 10 ) : 101 .
( 7 ) . الروم ( 30 ) : 8 .