بين قائلين : أحدهما : يوجب عليه الرجوع إلى فتوى العلماء ، والآخر : يوجب عليه الاستدلال ، وإن كان مأموراً فيها بشيء فإمّا بالاستدلال أو التقليد ، والأوّل باطل ؛ لأنّه إمّا أن يكون عبارة عن التمسّك بالبراءة الأصليّة ، وهو باطل اتّفاقاً ، أو بالأدلّة السمعيّة ، وهو باطل أيضاً ؛ لأنّه إن لزمه الاستدلال فإمّا من حين استكمال عقله ، أو حين نزول تلك الحادثة . والأوّل باطل ؛ لوجهين :
أحدهما : أنّ الرسول عليه السلام والأئمّة بعده لم يأمروا كلّ من استكمل عقله بالاشتغال في تحصيل رتبة الاجتهاد .
الثاني : أنّه إن اشتغل كلّ عاقل عند كماله بذلك اختلّ نظام العالم وانتشر فيه الفساد .
والثاني : يلزم منه تكليف ما لا يطاق فتعيّن التقليد ، وهو المطلوب .
احتجّوا [ المانعون ] بقوله تعالى :
« إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ »
« 1 » وبقوله عليه السلام :
« طلب العلم فريضةٌ على كلّ مسلم » « 2 » .
واحتجّ أبو عليّ بأنّ ما ليس من مسائل الاجتهاد الصواب فيه واحد ، فلو جاز التقليد لم يؤمن التقليد في غير الحقّ ، بخلاف الاجتهاديّة فإنّ الكلّ مصوّب فيها « 3 » .
والجواب [ عن الأوّل ] : الذمّ على التقليد فيما فيه العلم كالأُصول ، جمعاً بين القولين .
وعن الثاني : أنّه لا يتناول المتنازع ؛ لأنّ من الناس من أوجب التقليد ، ومنهم من أوجب الاجتهاد ، وكلاهما لا يفيد العلم .
وعن الثالث : نمنع التصويب . سلّمنا ، لكن جاز أن يفتي بغير ما أدّاه اجتهاده إليه ؛ لأنّه غير معصوم .
هامش
( 1 ) . الزخرف ( 43 ) : 22 .
( 2 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 30 - 31 ، باب فرض العلم ووجوب طلبه والحثّ عليه ، ح 1 ، 2 و 5 ، وليس في بعضها ذيل الحديث ؛ سنن ابن ماجة ، ج 1 ، ص 81 ، ح 224 ؛ المعجم الكبير ، ج 10 ، ص 195 ، ح 10439 .
( 3 ) . نقله الرازي في المحصول ، ج 6 ، ص 80 من دون نسبةٍ إليه ؛ والعلّامة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 5 ، ص 257 نسبه إليه .