في العلم والزهد تخيّر في الاستفتاء من شاء منهما ، ولو كان أحدهما أعلم من الآخر والآخر أزهد من الأوّل فالأقوى العمل بفتوى الأعلم ؛ لقوّة ظنّ إصابته الحقّ .
أمّا إذا تغيّر اجتهاد المجتهد فإن كان قد أدّاه اجتهاده إلى حكم ثمّ أدّاه اجتهاده ثانياً إلى نقيضه فإمّا أن يكون في حقّ نفسه أو في حقّ غيره .
فالأوّل مثل : إن أدّاه اجتهاده إلى أنّ الخلع فسخ لا يلحقه حكم الطلاق ، فنكح امرأةً خالعها ثلاثاً ثمّ تغيّر اجتهاده وأدّاه إلى اعتقاد كونه طلاقاً ، فإن كان قد حكم بصحّة ذلك النكاح حاكم قبل تغيّر اجتهاده بقي النكاح على حاله ولم يكن عليه حرج في استمراره ؛ لأنّ حكم الحاكم لمّا اتّصل به أكّده وقوّاه فلم يؤثّر فيه تغيّر الاجتهاد ، وإن لم يحكم به حاكم لزم مفارقتها اتّفاقاً ، ولم يحلّ له الاستمرار على نكاحها .
وفي هذا نظر ؛ لأنّ حكم الحاكم لا يغيّر الشيء عمّا هو عليه ، فإن كان الحلّ ثابتاً في نفسه لم يؤثّر فيه حكم القاضي ، وإن كان منفيّاً لم يثبت بحكم الحاكم .
فالحقّ إذن وجوب المفارقة ، سواء حكم الحاكم أو لا .
والثاني مثل : أن يزوّج العامّي المختلعة ثلاثاً لفتوى المفتيّ إيّاه بإباحة ذلك ، ثمّ تغيّر اجتهاد ذلك المفتيّ ، فالأصحّ أنّه يجب عليه مفارقتها ، كما لو تغيّر اجتهاد متبوعه عن القبلة في أثناء الصلاة ، فإنّه يتحوّل من الجِهة الأُولى إلى الجِهة الأُخرى بخلاف قضاء القاضي ، فإنّه متى اتّصل بالحكم المجتهد فيه استقرّ ، ولا يجوز نقض الحكم ما لم يكن منافياً لمقتضى دليل قطعي ، كنصّ أو إجماع أو قياس جليّ ، وهو ما نصّ الشارع فيه على الحكم وعلّته نصّاً قاطعاً ، وثبت تلك العلّة في الفرع قطعاً ، وحينئذٍ ينتقض إجماعاً ؛ لظهور خطئه قطعاً .
أمّا لو تغيّر الاجتهاد المتأيّد بالحكم أو القضاء بالاجتهاد الطارئ عليه ، فإنّه لا يؤثّر ولا ينتقض به الحكم ؛ إذ لو جاز للحاكم نقض حكم نفسه أو حكم غيره بمجرّد تغيّر اجتهاده المفيد للظنّ لجاز نقض النقض مرّةً أُخرى عند تغيّر الاجتهاد ، وهكذا إلى غير النهاية ، فيفضي إلى عدم الوثوق بحكم الحاكم وعدم استقراره ، وهي خلاف المصلحة التي نصب الحاكم لها .
جامع البين من فوائد الشرحين ( موسوعة الشهيد الأول ج 16 و 17 ) — صفحة 324
مساهمون: الشهيد الأول
ص٣٢٤