والثاني : أنّ القاضي لو قضى بخلافه هل ينقض قضاؤه أم لا ؟ قال الأصمّ : نعم « 1 » .
ونفاه الباقون .
والحقّ من هذه المذاهب مختار المصنّف ، وهو أنّ للّه تعالى في كلّ واقعة حكماً معيّناً ، وأنّ عليه دليلًا ظاهراً ، فمن أخطأه بعد اجتهاده فهو معذور .
ولنا وجهان :
الأوّل : إنّ المجتهدَين إذا اعتقد أحدهما رجحان الأمارة الدالّة على الثبوت ، واعتقد الآخر رجحان الأمارة الدالّة على النفي ، كان أحد هذين الاعتقادين خطأً ، والخطأ منهيّ عنه . فأحد هذين الاعتقادين منهيّ عنه .
بيان ذلك أنّ إحدى الأمارتين إمّا أن تكون راجحة على الأُخرى أو لا . فإن كان الأوّل كان اعتقاد ذي الأمارة المرجوحة خطأً لكونه غير مطابق . وإن كان الثاني كان اعتقاد كلّ منهما خطأً كذلك أيضاً . فإذن خطأ أحد المجتهدين المختلفين لازم قطعاً ، فلا يكون قول كلّ مجتهد مصيباً ، وهو المطلوب .
ويشكل بأنّ ما ذكرتموه لازم على تقدير اعتبار كلّ واحد من المجتهدَين أمارة غيره ونسبتها إلى أمارته ؛ لأنّ اعتقاد رجحان إحدى الأمارتين على الأُخرى بدون ذلك محال ، وهذا الاعتبار والنسبة غير لازم بمجرّد الاجتهاد لجواز عدم تفطّن أحدهما لأمارة صاحبه ؛ إذ المجتهد إذا ظفر بدليل ظنّي على حكم شرعي غلب على ظنّه ذلك الحكم ووجب عليه العمل به وإن غفل عن الأمارة المفيدة لظنّ نقيضه .
سلّمنا لكن لا يلزم من خطأ أحدهما في اعتقاد رجحان أمارته خطؤه في الحكم المترتّب على تلك الأمارة ، والنزاع إنّما هو في هذا المثال .
الثاني : أنّ المجتهد إمّا أن يكون مكلّفاً بالحكم بناءً على طريق أو لا ، والثاني باطل ؛ لأنّه إن كلّف بحكم معيّن من غير دليل عليه كان تكليفاً بما لا يطاق ، وإن
هامش
( 1 ) . نقله عنهما الغزالي في المستصفى ، ج 2 ، ص 405 ؛ والآمدي في الإحكام في أُصول الأحكام ، ج 4 ، ص 412 و 414 ؛ والعلّامة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 5 ، ص 200 .