ومخالف المجتهد ليس بكافر ، ولأ نّه كان يتوقّف في الأحكام على الوحي ، ولأنّ تجويز اجتهاده يفضي إلى اجتهاد جبريل عليه السلام فيندفع القطع بالوحي .
احتجّ الشافعي بأنّ العمل بالاجتهاد أشقّ ، ولقوله تعالى :
« عَفَا اللَّهُ عَنْكَ »
، ولقوله عليه السلام : « لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سُقْتُ الهدي » .
والجواب : أنّ المشقّة إنّما يثبت اعتبارها مع التسويغ شرعاً ، والعفو عن أصحابه ، أو أنّ الإذن شرط في الإباحة فصحّ استناد العفو معه . وعدم سياق الهدي لا يدلّ على أنّ سياقه بالاجتهاد . [ تهذيب الوصول ، ص 283 - 284 ]
أقول : قال أحمد « 1 » وأبو يوسف القاضي : اجتهد النبيّ « 2 » عليه السلام ، وأنكره الإماميّة والجبّائيّان « 3 » ، وجوّزه الشافعي في رسالته من غير قطعٍ « 4 » ، وبه قال أصحابه « 5 » وأصحاب القاضي عبد الجبّار « 6 » وأبو الحسين البصري « 7 » .
ومنهم من جوّز ذلك في أُمور الحروب دون الأحكام الشرعيّة « 8 » .
وقال الماوردي بجوازه فيما لا يشاركنا فيه ، كالحدّ ونفي إرث القاتل ، لا فيما يشاركنا فيه ، كالنهي عن الكلام في الصلاة ، والجمع بين العمّة وبنت الأخ « 9 » ؛ لأنّ الحكم إلزام من آمر لمأمور ، فجاز كونه آمراً بما لا يدخل فيه لمغايرة الآمر والمأمور ، ويجب كونه مأموراً بما دخل فيه ، وتوقّف الباقون .
لنا وجوه :
الأوّل : قوله تعالى :
« وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى »
« 10 » ، وقوله
هامش
( 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 ) . نقله عنهم الآمدي في الإحكام في أُصول الأحكام ، ج 4 ، ص 398 ؛ والسبكي في الإبهاج في شرحالمنهاج ، ج 3 ، ص 263 .
( 7 ) . المعتمد ، ج 2 ، ص 243 .
( 8 ) . حكاه عنهم العلّامة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 5 ، ص 172 ؛ والسبكي في الإبهاج في شرح المنهاج ، ج 3 ، ص 263 .
( 9 ) . لم نعثر على كلامه . نعم ، نقله الزركشي في البحر المحيط ، ج 4 ، ص 503 .
( 10 ) . النجم ( 53 ) : 3 - 4 .