فإنّه كلّما كانت الوسائط أقلّ كان تطرّق احتمال الكذب إليه أقلّ ممّا إذا كانت الوسائط أكثر ، وهو المراد بالأعلى إسناداً ، فإنّ الخبر إنّما يكون حجّةً مع صدق الراوي والواسطة بينه وبين الرسول عليه السلام ، وكلّ واحد منهما يحتمل كونه صادقاً ، ويحتمل كونه كاذباً ، فأحوالهما أربعة ، يكون الخبر فيها حجّة في حال واحد ، وهو ما إذا كانا صادقين ، وباقي الأحوال لا يكون حجّةً ، فلو تعدّدت الواسطة فإن كانا اثنين كان الخبر حجّةً في حال واحد من ثمانية ، وإن كان ثلاثة كان واحد من ستّة عشر . وهكذا كونه غير حجّة في باقي الأحوال كلّها . وحينئذٍ يضعف الظنّ عند تعدّد الوسائط المرتبة وتكثّرها ، حتّى أنّه ربما أدّى إلى زوال الظنّ بالكلّيّة .
واعلم أنّ علوّ الإسناد وإن كان مرجّحاً من هذا الوجه فهو مرجوح ، من حيث إنّه نادر ، والأولى أن يقال : إن بلغ في قلّة الوسائط إلى حدّ الشذوذ كان مرجوحاً ؛ لأنّ الجري على القانون المعتاد والطريق المألوف الغالب أرجح في الظنّ من غيره .
واعلم أنّ علوّ الإسناد عند المحدّثين على ما ذكره في جامع الأُصول على مراتب :
الأوّل : قلّة العدد كما مرّ .
الثاني : ثقة الرواة .
الثالث : فقههم .
الرابع : اشتهارهم « 1 » .
واعترض في النهاية على دليل رجحان الأعلى إسناداً بأنّ الأقلّ إنّما يكون أرجح إذا اتّحدت رواة كلّ من الخبرين بالشخص أو تساووا في الصفات ، وأمّا إذا تعدّدت وكانت صفات الأكثر أكثر فلا « 2 » .
ويشكل بأنّ المراد بالترجيح بالقلّة أو بالكثرة إنّما هو مع قطع النظر عن صفات الرواة ، أو مع تساويهم فيها ، وكذا في كلّ واحدٍ من أقسام التراجيح الآتية ؛ فإنّه إنّما
هامش
( 1 ) . جامع الأُصول ، ج 1 ، ص 120 .
( 2 ) . نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 5 ، ص 301 .