والثاني - وهو كونهما يقينيّين - فلا يتصوّر الترجيح بينهما ؛ لأنّه فرع على تعارضهما المُحال ؛ لأنّ اليقيني لا يتحقّق إلّامع كون مقدّماته ضروريّة أو لازمة عن الضروريّة إمّا ابتداءً أو بواسطة شأنها ذلك ، إمّا متّحدة أو متعدّدة ، وذلك لا يحصل إلّا عند اجتماع العلوم الأربعة ، أعني العلم الضروري بصحّة المقدّمات - أي بكونها صادقة في نفس الأمر - إمّا ابتداءً أو بواسطة ؛ والعلم الضروري بصحّة ترتيبها ؛ ( والعلم الضروري بلزوم ) « 1 » اللازم عنها أو بأنّ ما لزم عن الضروري لزوماً ضروريّاً فهو ضروري ، وحصول ذلك في الدليلين المتنافيين ملزوم للقدح في البديهيّات .
فقوله :
فالتعارض بينهما مُحال إلّاأن يكون أحدهما قابلًا للتأويل بالآخر ، بحيث يمكن الجمع بينهما ، كالعام المقطوع نقله ، والخاصّ المظنون نقله .
وفيه نظر ؛ لأنّ القابل للتأويل لا يكون يقينيّاً ، وكذا الخاصّ المظنون نقله ليس من اليقينيّات ، فهو من القسم الأوّل - أعني تعارض الظنّين - وإنّما استثناه من اليقيني من حيث إنّ كلّاً من الدليلين جزؤه يقيني ، فالعامّ في نقله ، والخاصّ في دلالته .
الثالث : أن يكون أحدهما يقينيّاً والآخر ظنّيّاً ، فتعيّن العمل باليقيني ؛ ضرورة استلزام العلم بكذب المقابل لليقيني اللازم للدليل ، فلا يعتدّ به .
وقد اتّضح أنّ الترجيح إنّما يكون متحقّقاً في الأمارات المفيدة للظنّ ؛ فلهذا عرّفه المصنّف هنا بأ نّه اقتران الأمارة بما يقوى به على معارضها ، فالترجيح جنس وبالأمارتين يخرج الدليلان .
وقولنا : بما يقوى به ؛ لأنّ الترجيح ما لم يفد تقوية ما يرجّحه لم يكن مرجّحاً .
وقولنا : على معارضها ؛ لأنّه لا ترجيح إلّاعند التعارض ، ويشمل المتوافقين في الاقتضاء ، كالعلل المتعارضة في أحد القياسين ، ويشمل المتعارضة مع تنافي مقتضاهما ، كالأدلّة المتعارضة في الصور المختلف فيها نفياً وإثباتاً .
هامش
( 1 ) . ما بين القوسين لم يرد في « ن ، م » ، وقد أضفناه لإصلاح العبارة .