سلّمنا ، لكن نمنع الملازمة ، وعلّيّة الوصف المذكور بأن نقول : إنّ العلّة هي الرجحان المألوف من الصحابة اعتباره والعمل به ، وهو الثابت في الأدلّة المتعارضة دون الشهادات .
هذا إن لم يمكن العمل بهما من وجه دون آخر ، ولو أمكن ذلك تعيّن ، وكان أولى من إلغاء أحدهما بالكلّيّة ، كقوله عليه السلام : « ألا أُخبركم بخير الشهود ؟ » قالوا : بلى ، [ قال ] : « أن يشهد الرجل قبل أن يستشهد » « 1 » . وقوله عليه السلام : « يفشو الكذب حتّى يشهد الرجل قبل أن يستشهد » « 2 » و « 3 » ؛ لتبعيّة دلالة اللفظ على جزء مفهومه لدلالته على كلّ مفهومه ، ودلالته على كلّ مفهومه أصليّة ، فإذا عمل بهما من وجه دون آخر فقد ترك العمل بالدلالة التابعة ، وإذا عمل بأحدهما وترك الآخر بالكلّيّة ترك العمل بالدلالة الأصليّة ، ولا شكّ في أولويّة الأوّل .
قال في النهاية :
العمل بكلّ واحد منهما من وجه عمل بالدلالة التابعة من الدليلين معاً ، والعمل بأحدهما دون الآخر عمل بالدلالة الأصليّة ، والتابعة في أحد الدليلين ، وإبطالهما في الآخر .
ولا شكّ في أولويّة العمل بأصل وتابع على العمل بالتابعَين وإبطال الأصل « 4 » .
ويشكل بأنّ العمل بتابع وأصل إنّما يكون راجحاً على العمل بالتابعين إذا كانا من دليلين ، أمّا إذا كانا من دليل واحد وكان التابعان من دليلين فلا . وهو ظاهر ؛ فإنّ فيه تعطيلًا للفظ الآخر ، وإلغاء له بالكلّيّة . ومن المعلوم أنّ التأويل أولى من التعطيل .
هامش
( 1 ) . صحيح مسلم ، ج 3 ، ص 1344 ، ح 1719 / 19 ؛ مسند أحمد ، ج 5 ، ص 249 ، ح 21175 ؛ سنن أبي داود ، ج 3 ، ص 305 ، ح 3596 ؛ الجامع الصحيح ، ج 4 ، ص 544 ، ح 2295 باختلاف في جميع المصادر .
( 2 ) . سنن ابن ماجة ، ج 2 ، ص 791 ، ح 2363 ؛ الجامع الصحيح ، ج 4 ، ص 549 ، ح 2303 . مع اختلاف يسيرفيهما .
( 3 ) . لم يرد الحديثان في نسخة « ن » .
( 4 ) . نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 5 ، ص 295 ، باختلاف في العبارة .