واختلف المجوّزون في حكم التعادل عند وقوعه فقال الجُبّائيّان « 1 » والقاضي أبو بكر بالتخيير « 2 » . وقال آخرون بتساقط الأمارتين ، ويرجع إلى حكم العقل « 3 » .
إذا عرفت هذا فتعادل الأمارتين قد يكون في حكم واحد مع تنافي الفعلين ، وقد يكون في فعل واحد مع تنافي الحكمين .
أمّا الأوّل : فكما إذا دلّت أمارة على أنّ جهة معيّنة هي القبلة ، وأُخرى على أنّ الجهة غيرها ، وعرض ذلك للمكلّف بالصلاة عند ضيق الوقت ، فإنّ الحكم - وهو وجوب الاستقبال في الصلاة - واحد ، والفعلان وهو التوجّه إلى الجهتين في الوقت الواحد للشخص الواحد متنافيان .
وأمّا الثاني : فكما إذا دلّت إحدى الأمارتين على قبح فعل ، ودلّت الأُخرى على وجوبه أو إباحته مع اتّحاد الوقت والمكلّف ، وكلاهما جائز .
واستدلّ على الأوّل بقوله عليه السلام في زكاة الإبل : « في كلّ أربعين بنت لبون ، وفي كلّ خمسين حقّة » « 4 » فيمن ملك مائتين ؛ لأنّه أيّهما فعل أدّى الواجب « 5 » ، ولا أولويّة ، والمصلّي في الكعبة يتخيّر .
ويشكل بأ نّه لا تنافي بين الفعلين هنا لذاتيهما ، فإن كان هناك دليل من خارج يدلّ على عدم الجمع بينهما كان دالّاً على الوجوب على البدل ، وحينئذٍ يكون الواجب أحد الفعلين لا بعينه ، كخصال الكفّارة ، أو الأمر الكلّي على ما تقدّم تحقيقه ، فلا يتحقّق تعدّد الفعل الذي هو متعلّق الحكم ، وكون كلّ واحدٍ منهما واجباً إنّما هو بالعرض ؛ لاشتماله على الأمر الكلّي ، وكذا الصلاة في الكعبة ؛ فإنّ استقبال جهة الكعبة في الصلاة هو الواجب ، وهو أمر كلّي صادق على استقبال أيّ جدرانها
هامش
( 1 و 2 و 3 ) . حكاه عنهم الرازي في المحصول ، ج 5 ، ص 380 ؛ والعلّامة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 5 ، ص 275 .
( 4 ) . سنن أبي داود ، ج 2 ، ص 98 ، ح 1568 ؛ سنن ابن ماجة ، ج 1 ، ص 574 ، ح 1798 ؛ الجامع الصحيح ، ج 3 ، ص 17 ، ح 621 ؛ السنن الكبرى ، البيهقي ، ج 4 ، ص 150 ، ح 7255 .
( 5 ) . نقل هذا الاستدلال الرازي في المحصول ، ج 5 ، ص 388 .