وهل يجري القياس في اللغة ؟ أنكره جمهور الحنفيّة وأكثر الأشعريّة ، وقال به القاضي أبو بكر « 1 » وابن سُرَيج منهم « 2 » ، وكثير من الفقهاء .
واختاره ابن جنّي على ما ذكره في الخصائص « 3 » ، لأنّا إذا رأينا عصير العنب لا يسمّى خمراً قبل الشدّة المطربة المخمّرة للعقل ، وإذا حصلت سمّي خمراً ، ثمّ إذا زالت زال ذلك الاسم ، غلب على الظنّ أنّ علّة تسميته خمراً تلك الشدّة ؛ للدوران ، فإذا رأينا تلك الشدّة حاصلة في النبيذ حصل ظنّ أنّ علّة تسميته بالخمر موجودة فيه ، ويلزم من ذلك حصول ظنّ تسميته خمراً .
وإذا دلّ النصّ على أنّ الخمر مطلقاً حرام غلب على الظنّ أنّ النبيذ حرام ، والظنّ في أمثاله حجّة .
ولأنّ أهل اللغة « 4 » أجمعوا على أنّ كلّ فاعل رفع ، وكلّ مفعول نصب ، وكذا باقي أنواع الإعراب ، ولم يثبت ذلك إلّاقياساً ؛ لأنّهم لمّا وصفوا بعض الفاعل بالرفع ، واستمرّوا في ذلك علمنا أنّه ارتفع ؛ لكونه فاعلًا ، وانتصب المفعول ؛ لكونه مفعولًا .
واحتجّ المانعون بأنّ أهل اللغة لو صرّحوا بالأمر بالقياس لم يفد جوازه ، كالمثال المذكور ، فإنّا لا نحكم بعتق باقي عبيده ، فمع عدم النصّ عنهم أولى ، ولأنّ القياس لا يجوز إلّاعند تعليل الحكم في الأصل بالوصف المتوقّف على المناسبة ، وهي مفقودة في الاسم ومسمّاه ؛ فإنّه لا مناسبة بين شيء من الأسماء ، وشئ من المسمّيات أصلًا .
والجواب : أنّ أهل اللغة استعملوا القياس ، وكُتب الأدب مشحونة بالقياس ، وذلك منقول عنهم بالتواتر . وأجمعت الأُمّة على وجوب الأخذ بتلك الأحكام
هامش
( 1 ) . حكاه عنه السبكي في الإبهاج في شرح المنهاج ، ج 3 ، ص 36 .
( 2 ) . حكاه عنه الشيرازي في شرح اللمع ، ج 2 ، ص 797 ؛ والرازي في المحصول ، ج 5 ، ص 339 ؛ والسبكي في الإبهاج في شرح المنهاج ، ج 3 ، ص 36 .
( 3 ) . الخصائص ، ج 1 ، ص 115 .
( 4 ) . عطف على قوله : لأنّا إذا رأينا عصير العنب لا يسمّى خمراً .