بالوصف المتأخّر ، وأن يكون مقارناً ، وليس جعله علّةً للآخر أولى من العكس ، ولأ نّه يحتمل أن يكون هو العلّة ، وأن يكون غيره العلّة ، فهو على ثلاثة تقادير لا يكون علّةً ، وعلى تقدير واحد يكون علّةً . والعبرة في الشرع إنّما هو بالغالب ، وعدم العلّيّة أغلب على الظنّ من ثبوتها ، وكلّ ما غلب على الظنّ عدم كونه علّةً امتنع جعله علّةً .
وأُجيب بجواز التأخّر ؛ لأنّ العلّة معرّف ، والمتأخّر قد يعرّف المتقدّم ، كوجود العالم ، المعرّف لوجود الصانع ، ولجواز التقدّم ولا نقض ، فإنّ الحكم المجعول علّةً ليس علّةً لذاته ، بل بجعل الشارع إيّاه علّةً بقران الحكم الآخر به ، كما في تعليل تحريم الخمر بالشدّة ؛ فإنّها كانت متحقّقةً قبل تحريم الخمر ، وذلك لا يمنع من كونها علّةً لما لم يكن علّةً لذاتها ، بل باعتبار الشارع بقران الحكم بها ، ولم يستلزم تخلّف التحريم عنها نقضها ، ولجواز المقارنة . ونمنع من عدم الأولويّة ؛ لأنّا نفرض الكلام فيما إذا كان أحد الحكمين مناسباً للآخر من غير عكس .
ويجوز تركّب العلّة من وصفين وأكثر ، كتعليل وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان ، وهو قول الأكثر ؛ أمّا على اشتراط التنصيص في العلّة ؛ فلجواز نصّه على التعليل بمجموع أمرين أو أُمور ، بحيث لا يستند الحكم إلى بعضها . وأمّا على الاستنباط فيمكن أن يقترن بالهيئة الاجتماعيّة ظنّ علّيّة الحكم المخصوص ، إمّا بالمناسبة أو الشبه أو السبر أو الدوران أو غيرها ، فيجب العمل به ؛ لوجوب العمل بالظنّ في مثل ذلك .
احتجّ المانع بأنّ كون الشيء علّةً صفة لذلك الشيء زائدة له عليه ، سواء حصلت له لذاته أو بالفاعل ؛ لإمكان تصوّره مع الجهل بكونه علّةً ، ويصحّ حمل العلّة عليها ، كما تقول : هذه علّة كذا ، فإن حصلت بتمامها لكلّ جزء كان كلّ جزءٍ منها علّةً ؛ إذ لا معنى لكون الشيء علّةً إلّاحصول صفة العلّيّة له ، وهو محال ؛ لامتناع حصول الصفة الواحدة بالشخص في المحالّ المتعدّدة ، وإن حصل في كلّ جزء منها جزء من العلّة لزم انقسام الصفة العقليّة ، بحيث يكون لها نصف وثلث وهكذا ، وذلك غير معقول .
جامع البين من فوائد الشرحين ( موسوعة الشهيد الأول ج 16 و 17 ) — صفحة 264
مساهمون: الشهيد الأول
ص٢٦٤