ويشكل بأنّ نقيض العدمي قد يكون عدميّاً ، كما في الامتناع والإمكان ، كما أنّ نقيض الثبوتي قد يكون ثبوتيّاً ، كالإنسان واللاإنسان ، ولأ نّه لو صحّ هذا الدليل لزم أن لا يكون الوصف العدمي علّةً مطلقاً ، لا للحكم الوجودي ولا للعدمي . وأنتم إنّما منعتم كونه علّةً للوجودي .
واحتجّوا أيضاً بأ نّه يجب على المجتهد البحث عن العلّة بسبر كلّ وصف يمكن أن يكون علّةً ، والأوصاف العدميّة لا تتناهى ، فامتنع سبرها ، فلا تكون صالحةً .
والحقّ أنّه لا يشترط في العلّة أن تكون وجوديّةً مطلقاً ، فإنّ كثيراً من العدميّات تبعث على بعض الأفعال ، كبعث عدم امتثال العبد أمر سيّده على مؤاخذته .
واختلف في تعليل الحكم بمحلّه ، كتعليل حرمة الخمر بكونه خمراً ، فجوِّز مطلقاً ، ومُنع مطلقاً .
وفصّل الرازي بالجواز في القاصرة ، والمنع في المتعدّية ، سواء كانت العلّة منصوصةً أو مستنبطةً « 1 » .
أمّا الأوّل ؛ فلأ نّه لا استبعاد في قول الشارع : حرّمت الربا في البرّ ؛ لكونه برّاً ؛ أو يعرّف كون البرّ مناسباً لحرمة الربا .
فإن قيل : لو كان المحلّ علّةً لكان الشيء الواحد قابلًا وفاعلًا .
قلنا : العلّة بمعنى المعرّف أو الباعث ، لا بمعنى الفاعل والمؤثّر . ولو سلّم لمنعنا كون الحكم حالّاً في المحلّ حقيقةً ، بل هو متعلّق به ؛ لأنّه عبارة عن خطاب الشارع ، وتسميته محلّاً مجاز .
سلّمنا لكن المحال اجتماعهما مع اتّحاد الجهة ، ولا ريب في مغايرة جهة القبول للتأثير .
وأمّا الثاني ؛ فلأنّ العلّة المتعدّية هي التي توجد في غير المحلّ الذي هو مورد النصّ ، وخصوصيّة المحلّ لا توجد في غيره ، لامتناع كون الشيء عين غيره .
احتجّ المانعون بأنّ فائدة التعليل التوسّل بالعلّة إلى معرفة الحكم ، وهي منتفية ؛
هامش
( 1 ) . المحصول ، ج 5 ، ص 285 - 287 .