أقول : هذا هو الطريق الثاني من الطرق الدالّة على كون الوصف ليس علّةً للحكم ، وهو المسمّى بعدم التأثير ، وهو عبارة عن بقاء الحكم بدون ما فرض علّةً لذلك الحكم ، وهو قادح في علّيّة الوصف المذكور ؛ لأنّ الحكم لمّا بقي موجوداً بعد عدم ذلك الوصف وكان موجوداً قبل وجوده علمنا استغناءه عنه ، والمستغني عن الشيء يمتنع أن يكون معلّلًا به ، وإنّما لم يكتفِ في الاستغناء عن الوصف ببقاء الحكم بعد عدمه ؛ لأنّ المتكلّمين يزعمون أنّ الباقي مستغنٍ عن المؤثّر ، فعدم مؤثّره مع بقائه موجوداً غير قادح في علّيّته ، فلهذا ضمّ إليه القيد الآخر ، وهو قوله :
« وكان موجوداً قبل وجوده » ، وهذا حقّ إن فسّرنا العلّة بالمؤثّر ، أمّا إذا فسّرناها بالمعرّف فلا ؛ لأنّ العالم معرّف للصانع تعالى مع وجوده تعالى قبل وجوده ، وبعد عدمه .
وأمّا عدم العكس فهو عبارة عن حصول مثل ذلك الحكم في صورةٍ أُخرى ؛ معلّلًا بعلّة مغايرة للعلّة الأُولى ، وهو في المنطق جعل الموضوع محمولًا ، وعكسه مع بقاء الكيف .
والحقّ أنّ ذلك غير قادح في علّيّة الوصف للحكم في الصورة الأُولى ؛ لأنّ العكس - أعني انتفاء الحكم لانتفاء العلّة - غير واجب في التعليل مطلقاً ؛ لجواز تعليل الأحكام المتساوية بالعلل المختلفة ، أمّا مع تغاير المحلّ فظاهر متّفق عليه ، كإباحة الوطء في الزوجة بالعقد ، وفي المملوكة بالملك ، وأمّا مع اتّحاده فمنع منه القاضي أبو بكر « 1 » والجويني مطلقاً « 2 » ، وجوّزه آخرون مطلقاً « 3 » ، وفصّل قوم ، فقالوا : إنّه جائز في المنصوصة لا في المستنبطة ، وهو اختيار الغزالي « 4 » والمصنّف .
أمّا الأوّل فظاهر ؛ فإنّ القتل العمد العدوان ، والزنى مع الإحصان ، والردّة عن الإسلام قد ثبت لواحد ، مع أنّ كلّ واحد من هذه الأُمور علّة مستقلّة في وجوب القتل ، وكذا نواقض الوضوء والغسل ؛ فإنّ النوم وكلّ واحد من الأحداث المغايرة له
هامش
( 1 و 2 و 3 ) . حكاه عنهم الآمدي في الإحكام في أُصول الأحكام ، ج 3 ، ص 208 .
( 4 ) . المستصفى ، ج 2 ، ص 364 - 366 . حيث أطلق الجواز أوّلًا ثمّ فصّله .