واعلم أنّ النقض بانتفاء الحكم عن صورة النقض إنّما يتوجّه إذا كان انتفاء الحكم عن تلك الصورة مذهباً للمستدلّ ، أو له وللمعترض ، كما لو قال الشافعي في بيع الرطب بالتمر : باع ربويّاً بجنسه متفاضلًا ، فلا يصحّ ، كما لو باع صاعاً بصاعين ، فيقول الحنفي : ينتقض على أصلك بالعراياء ، فإنّ بيعها صحيح ، مع أنّه بيع ربوي بجنسه متفاضلًا .
أمّا لو كان مذهباً للمعترض خاصّةً لم يتوجّه النقض ؛ لأنّ خلافه في صورة النقض كخلافه في صورة التعليل ، وهو محجوج بالدليل الذي ذكره المعلّل في المسألتين جميعاً ، كما لو قال المعترض : هذا الوصف لا يطّرد على أصلي ، فلا يلزمني الانقياد إليه .
وجوابه بأن يقول المستدلّ : ما ذكرته حجّة عليك في الصورتين ، ومذهبك في صورة النقض لا يكون حجّةً في دفع الاحتجاج ، وإلّا لكان حجّةً في محلّ النزاع ، وأ نّه محال ، والمحجوج المغلوب ؛ إذ الحجّة لغةً الغلبة « 1 » . وحينئذٍ لا يتمّ الجواب عن النقض بالمنع من انتفاء الحكم عن صورة النقض إذا كان انتفاء الحكم مذهباً للمستدلّ خاصّةً ، أو له وللمعترض بل يكون الجواب عنه ببيان ثبوت مانع من الحكم في صورة النقض ، أو انتفاء شرط له عنها ، أو غير ذلك .
تنبيه : إذا تخلّف الحكم عن العلّة لا لمانع هل يقدح في علّيّتها ، أم لا ؟ قال جماعة من المحقّقين : نعم ، وهو مذهب المصنّف والرازي « 2 » ؛ لأنّ العلّة تستلزم الحكم لذاتها ، وذلك يوجب ثبوته في جميع صور ثبوتها خاليةً من الموانع ، فإذا وجدت العلّة وفقد الحكم في صورةٍ مّا ، فإمّا أن يكون فقده لأمر ، أو لا ، فإن كان الأوّل فذلك الأمر هو المانع ، وإن كان الثاني بطل استلزامها الحكم ، وذلك يوجب أن لا يكون علّةً .
وقال آخرون : لا يقدح ؛ لأنّا لم نوجب لمثل هذه العلّة استلزام الحكم قطعاً ، بل ظاهراً ، فتخلّف الحكم عنها في بعض الصور لا يكون قادحاً في علّيّتها .
هامش
( 1 ) . المصباح المنير ، ج 1 ، ص 121 ، « حجج » .
( 2 ) . المحصول ، ج 5 ، ص 256 .